شهدت تونس، عشية الذكرى الرابعة لثورة 14 يناير 2011، موجة من الاحتجاجات والإضرابات التي يتخوف المراقبون من انزلاقها نحو الفوضى، وذلك في ظل تواصل تأخير الإعلان عن الحكومة الجديدة.
وفي هذا الإطار، ينبّه المحللين إلى أن الأزمة الاجتماعية تعد قنبلة موقوتة تهدد الأخضر واليابس، وتمثل خطرا محدقا يهدد مسار الانتقال الديمقراطي الناجح إلى حد الآن.
في مقابلة مع "العربية.نت"، أكد المحلل السياسي منذر ثابت أن "تونس، بعد أربعة سنوات من الثورة، تمر بفترة هامة ومفصلية، إذ أنه وبرغم النجاح السياسي، المتمثل في كتابة دستور وانجاز استحقاقات انتخابية ديمقراطية، فإنها ما زالت تعيش وضع يتصف بالهش ويمكن أن ينزلق نحو الفوضى".
وأرجع ثابت ذلك إلى "تنامي الخطر الارهابي وتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، التي قد تدخل البلاد في احتجاجات طويلة تكون مقدمة للفوضى".
وشدد ثابت على "خطر الاستمرار في تهميش الشباب، الذين عبروا عن رفضهم للأحزاب السياسية، من خلال مقاطعة واسعة للانتخابات البرلمانية والرئاسية، في إشارة الى غضبهم على الطبقة السياسية الحالية، واعتبارها لا تعبّر عن مشاغلهم".
وفي هذا السياق، نبّه ثابت إلى "خطر بقاء الفئة الشبابية، التي تمثل ثلثي السكان، خارج الأطر التقليدية للتأطير الاجتماعي والسياسي، خصوصا في ظل تزايد حجم البطالة، خاصة في صفوف حاملي الشهادات العليا".
كما رأى ثابت أن "المشاكل الهيكلية للاقتصاد التونسي تعمقت أكثر خلال السنوات الأخيرة، ما نجم عنه تفقير كبير لشرائح من المجتمع، وتراجع في طبقة الوسطى التي هي العمود الفقري للاستقرار"، معتبراً أن هذا يشكل "مشهد مخيف ينذر بتفجر حركات احتجاجية لها علاقة بالإصلاحات الاقتصادية المتوقعة، التي ستزيد في تهميش الفئات الفقيرة".
وتواجه تونس خلال المرحلة القادمة تحديات كبيرة لإعادة نفوذ الدولة، ومواجهة الاحتجاجات الفوضوية التي تربك الاستقرار وتشتت خاصة عمل الجيش والأمن، في حربهما على الارهاب.
تجدر الإشارة إلى أن ظاهرة "التمرد" على القانون ومؤسسات الدولة انتشرت خلال الأربع سنوات الأخيرة، التي تلت الثورة. وقد تغذت بفعل الصراع بين المعارضة وحكومة الترويكا بقيادة الاسلاميين.
وتعليقا على هذا الوضع السابق وتداعياته في المستقبل، كتب عدنان منصر، مدير مكتب الرئيس السابق منصف المرزوقي، أن "من يحكم اليوم، أو من يفترض أن يحكموا بفعل نتائج الانتخابات الأخيرة، كانوا أول من شجع شبكات المصالح واستهدافها لكيان الدولة الاقتصادي والسياسي والأمني، بدعوى توفير كل مقومات الإطاحة بحكومتي الترويكا".
وأضاف: "كنا نرى الاضرابات العشوائية والتعطيل المستمر لدواليب الدولة، واستهداف المواطن في لقمة عيشه وأمنه وبيئته ودروس أطفاله، كل ذلك في ظل استحسان "المعارضة الوطنية" لتلك السلوكيات. سيتطلب الأمر من الحاكمين اليوم، بعد تشكيل حكومتهم، أن يقنعوا شركاءهم السابقين بالتعقل من أجل مصلحة الوطن العليا".
وشدد منصر، على أن "المعارضة الناشئة عن الانتخابات لا ينبغي أن تقوم بنفس الأخطاء التي ارتكبتها معارضة الأمس"، مضيفاً أن "حفظ كيان الدولة يتطلب عدم تعطيل حياة المواطنين وإيقاف عملية التدمير المنهجي للاقتصاد. هناك قوانين يجب تطبيقها، ومصلحة عليا حقيقية يجب أن تراعى. نريد وطنا ودولة، لا جثة وطن وأثر دولة".
ويبقى الارهاب أهم خطر يستهدف تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، وسيكون ملف مقاومته من أولويات الحكومة القادمة، خصوصا وأن رئيسها هو من الإطارات الأمنية.
وتجدر الإشارة إلى أن تقارير أمنية حذرت مؤخرا من وجود خطر كبير على البلاد مع مطلع العام الجديد، حيث تبيّن أنّ حوالي 2000 من الشبّان التونسيين الذين ذهبوا للقتال في سوريا بدأوا يعدون العدة للعودة إلى تونس.
وتفيد هذه التقارير، حسب ملف نشرته صحيفة "الشروق" التونسية، بأن "تونس تأتي في مقدّمة البلدان المصدّرة للمتطرفين إلى سوريا، وتحوّل جلّ الشبان التونسيين إلى الأراضي السورية انطلاقا من ليبيا مرورا بتركيا بين سنتي 2012 و2013، وجلهم تمّ استقطابه من طرف جمعيات، وكذلك عبر الجوامع.
كما تشير التقارير الأمنية التونسية والأجنبية الى أنّ بداية العام الحالي ستشهد تدفق حوالي 2000 "متطرف" تونسي من سوريا إلى تونس، جلّهم تمرّسوا على القتال ومعارك الشوارع ومهاجمة الأرتال والدوريات والحواجز العسكرية والأمنية، وهو ما يمثل خطرا حقيقيا محدقا بالبلاد.
هذا وينتظر أن تتخذ الجهات الرسمية التونسية منهجية أكثر صرامة مع هذه العودة المنتظرة للمتطرفين، لا سيما أنّ جلّهم انضمّ إلى تنظيم "داعش"، الذي كان قد أصدر مؤخرا تحذيرات إلى السلطات التونسية، وهدد بإفشال المسار الديمقراطي.