في لبنان تنعقد الجولة الرابعة من الحوار بين تيار المستقبل وحزب الله في ظل أجواء هيمنت عليها التطورات والأحداث الأخيرة التي شهدتها الساحة اللبنانية، خاصة ما يتعلق بالعملية الأمنية التي نفذتها القوى الأمنية في سجن رومية، ووضعت حدا لظاهرة خلايا المتطرفين في هذا السجن، مرورا بالتفجير المزدوج الذي حصل في جبل محسن والعملية الإسرائيلية في مرتفعات الجولان، والتي أدت إلى مقتل ستة قياديين في حزب الله، وصولا إلى المعركة القاسية التي خاضها الجيش اللبناني مع الجماعات المتطرفة في جرود رأس بعلبك ومحيط مدينة عرسال في البقاع الشمالي.
الإعلان عن الجولة الجديدة يعكس التزام وحرص طرفي الحوار والفريق الراعي له في الحفاظ على النتائج والأجواء الإيجابية التي انعكست على الساحة اللبنانية وأسهمت في إيجاد حالة من الانفراج الشعبي والتخفيف من حدة الاحتقان المذهبي الذي حرص الطرفان بالتأكيد على كونه أساس الحوار بينهما.
ومن المتوقع، وحسب مصادر مواكبة للحوار بين تيار المستقبل وحزب الله، أن يتطرق المتحاورون للمواقف الصادرة في الساعات الأخيرة عن قيادات من الطرفين تتعلق بموضوع "سلاح حزب الله" وتدخل الحزب في الحرب السورية، والتي تم التوافق على عدم إدراجها على جدول الحوار.
ففي هذا الإطار توقفت هذه المصادر عند الكلام الصادر عن نائب أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم الذي وفي احتفال أقامه الحزب لعناصره الذين قتلوا في القنيطرة تحدث عن المواجهات التي خاضها الجيش اللبناني في جرود رأس بعلبك مع المتطرفين وربط بينها وبين الغارة الإسرائيلية واعتبرها "تجسيدا للثلاثية.. الجيش والشعب والمقاومة"، وهو كلام عاد وأكده رئيس المجلس السياسي للحزب إبراهيم أمين السيد بقوله "إن الجيش والمقاومة محور واحد، وتحول الثالوث الذهبي.. الجيش والشعب والمقاومة إلى دم الجيش والمقاومة".
هذه المواقف لقيادات الحزب دفعت قيادات في تيار المستقبل للمسارعة إلى الرد ورفض مساعي الحزب للتأثير على أجواء الحوار أو جره إلى مواضيع تعتبر في مواقف التيار من المسلمات السياسية.
ردة الفعل الأولى على تصريحات قاسم وأمين السيد جاءت على لسان وزير العدل اللواء أشرف ريف الذي أصدر بيانا تميز بلهجته القاسية وصف فيها معادلة الشعب والجيش والمقاومة بـ"المعادلة الخشبية". وأضاف ريفي في بيانه "إزاء هذا الكلام لا نجد إلا أن نذكر حزب الله أن الزمن لا يعود إلى الوراء، وبالتالي فإن محاولة الحزب إعادة إحياء هذه المعادلة التي أسقطها البيان الوزاري هي محاولة للتذاكي، والاختباء وراء المؤسسات العسكرية والأمنية، وتدفيعها ثمن سياسة المغامرات، والتبعية للنفوذ الإيراني، التي أدت إلى توريط لبنان في الأحداث السورية، ولاتزال".
وتابع البيان "لهذا نقول بكل صراحة لحزب الله يكفي تذاكيا وهروبا إلى الأمام، فالوطن يعيش محنة تتطلب الدعم الكامل للجيش والمؤسسات الأمنية كي تقوم بمهامها في حماية لبنان، أما السلاح غير الشرعي الذي تضعونه بخدمة الأجندة الإقليمية لإيران فهو مرفوض، وهو السبب الأساسي لإضعاف الدولة، وسنواجهه بسلاح الموقف، ونؤكد أنه مهما بلغ به الاستكبار لن يقوى على الدولة القادرة على إسقاط كل مشاريع السلاح والهيمنة، الأحرى بكم بدل أن تتمادوا في تعريض لبنان للخطر أن تنسحبوا من سوريا، وأن تتراجعوا عن الأخطاء الجسيمة بحق وطنكم وأهلكم".
في المقابل، تراهن القوى اللبنانية المعارضة لهيمنة حزب الله أن يلتزم الحزب بقرار التهدئة وتجنيب لبنان انعكاسات ما يدور على الساحة السورية، وألا يعمد إلى كسر حالة الهدوء والاستقرار التي فرضها القرار الدولي رقم 1701 بوقف الأعمال العسكرية بين الحزب وإسرائيل بعد حرب تموز 2006.
وفي هذا الإطار اعتبر النائب أحمد فتفت أن "حزب الله اليوم أمام مسؤولياته، والسؤال: هل هو معني بالمصلحة الوطنية؟ رد فعله حتى اليوم كان عقلانياً جداً ومتزناً، لكن رد الفعل الإيراني لم يكن كذلك، بل بالعكس تكلمت على عاصفة مدمرة، ودعت "حزب الله" إلى القيام بها وليس هي. سنرى في المرحلة المقبلة إلى أي مدى أصبح لبنان وسوريا تحت الوصاية الإيرانية الكاملة، لأن المسار الذي نراه حاليا، وكلام السيد نصرالله على جبهة الممانعة، يوحيان بأننا للأسف أصبحنا تحت الوصاية الإيرانية الكاملة. وقرار الرد إيراني وليس نابعاً من الحزب".
وعن الحوار مع حزب الله أوضح فتفت، عضو كتلة "المستقبل" في حديث إلى إذاعة "صوت لبنان أن "الحوار بين تيار المستقبل وبين حزب الله طويل النفس والمدى، ولا نتوقع نتائج مذهلة في فترة قصيرة، إنما لدينا الإصرار على مواصلة هذا النهج في هذه المرحلة، طالما أن حزب الله موافق على التهدئة الداخلية وحماية لبنان قدر الإمكان".
وأضاف "الحوار الدائم يتأثر بكل مجريات المواقف السياسية، لكن نحن نعمل لحفظ الجبهة الداخلية في هذا الجو المحموم. النقاشات ستطال في الدرجة الأولى كيفية تهدئة الوضع الأمني في الداخل".
وأكد أن "الحوار عنوان للتهدئة ومحاولة تنفيذ الخطة الأمنية في كل لبنان، والخطة الأمنية بعدما نفذت في سجن رومية، بدأ يرعاها الجيش اللبناني في البقاع. هناك مسار متواصل لنتائج هذا الحوار بخطى ضيقة جدا، إذ هناك أسباب منطقية تجعل قرارات حزب الله ليست رهنا لإرادته دائما، وتحديدا في الشؤون المهمة عندما يطال الموضوع الشأن العسكري أو ما يسميه هو مناطق المواجهة المباشرة، بما فيها الضاحية الجنوبية، وهذا يتطلب نقاشا أوسع".
إلى ذلك أشارت مصادر مقربة من طاولة الحوار ووزارة الداخلية إلى أن الجولة الجديدة ستناقش الخطوات الجدية لتنفيذ العملية الأمنية في منطقة البقاع الشمالي التي تعتبر منطقة نفوذ لحزب الله. وأضافت هذه المصادر أن الخطة الأمنية التي بدأت عمليا قبل أسابيع ستشهد تصاعدا في وتيرة تطبيقها وتنفيذها، وأن القوى الأمنية التابعة لوزارة الداخلية ستعمل على التنفيذ بمواكبة ومؤازة من الجيش اللبناني.
وأضافت هذه المصادر أن حزب الله سيعيد التأكيد أمام وفد تيار المستقبل المشارك في الحوار، والذي يضم وزير الداخلية نهاد المشنوق، التزامه برفع الغطاء عن كل المطلوبين والملاحقين بجرائم وأعمال مخلة بالأمن في البقاع الشمالي، وسيسهم في توفير الأجواء الشعبية التي تساعد على تنفيذ الخطة الأمنية والضغط على "العشائر" لضبط ردود فعلها إزاء اعتقال بعض أبنائها من المطلوبين بمذكرات توقيف أمنية وجنائية.
وأكدت هذه المصادر أن الخطة الأمنية في البقاع الشمالي ستشهد في الأيام المقبلة تصاعدا واضحا في وتيرة تطبيقها بشكل يختلف كثيرا عن الإجراءات التي تم اتخذها في المرحلة السابقة التي أقرت فيها هذه الخطة.
إلى ذلك لم تستبعد هذه المصادر أن يتطرق الحوار إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ على ما تحقق من انفراج في حالة الاحتقان المذهبي والعمل على تعزيز الأجواء التي تسهم في استمرار الاستقرار الأمني في لبنان، خاصة بعد الغارة الإسرائيلية ضد عناصر حزب الله، إضافة إلى تهيئة الأجواء السياسية للانتقال الجدي لبحث موضوع رئاسة الجمهورية واستثمار أي تطور إيجابي على الصعيد الإقليمي بما يخدم هذا التوجه.