على رغم وقوع عدد كبير من الأردنيين قبل سنوات في فخ البورصات الوهمية وتعرضهم إلى خسائر، لا تزال الصحف المحلية تشير إلى عمليات احتيال يتعرض إليها مستثمرون. وآخر هذه الاحتيالات تعرض 60 سيدة إلى عملية احتيال بنحو مليون دينار (1.41 مليون دولار) من جمعية توفير أسستها سيدة في مقابل عائدات شهرية مغرية، كما أُحبِطت مبيعات لدولارات مزوره بمبالغ ومحاولة بيع بوثائق مزورة لأراضٍ بقيمة 1.17 مليون دينار.
ولا تتوقف الجهات الأمنية الأردنية عن التحذير والنصح باتباع الإجراءات القانونية عند شراء العقارات والتأكد من شخصية المالك الحقيقي للعقار وموقع العقار وضرورة الشراء من خلال مكاتب مرخصة. لكن مسلسل الاحتيال المالي والاستثماري مستمر. وفيما تتمتع نسبة مهمة من الأردنيين بالوعي السياسيٍ، ما زالت نسبة مهمة تفتــقر إلى الوعي المالي وثقافة الاستثمار. وتقع على عاتق جهات حكومية وبـخـــاصة مسؤولية تعزيز هذا الوعي الذي أدى انخفاضه إلى خسارة نســـبة كبيرة من المستثمرين الأردنيين جزءاً بارزاً من ثرواتهم في وقت كانــوا في حاجة إلى الحفاظ على ثرواتهم وتنميتها لتعويض انخفاض قيمتها الشرائية نتيجة الارتفاع المتواصل في مستوى التضخم.
وتركز معظم خسائر المستثمرين وأصحاب المدخرات في سوق عمّان المالية نتيجة المضاربات الشديدة قبل سنوات وفي غياب الوعي بأخطار هذا الاستثمار والتركيز على العائدات. وخسرت أعداد كبيرة من المدخرين في البورصات والمحافظ الوهمية وشركات توظيف الأموال أو نتيجة الاحتيالات المالية والعقارية وغيرها ما دفع نسبة مهمة من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الفقيرة ما ترك آثاراً سلبية اقتصادياً ونفسياً واجتماعياً غب المجتمع الأردني والاقتصاد الأردني.
للمقولة المشهورة «القانون لا يحمي المغفلين» قصة. كان أميركي يعاني فقراً وقرر ان يصبح ثرياً ومن أصحاب الملايين فنشر إعلاناً في الصحف الأميركية قال فيه: «إذا أردت ان تكون ثرياً أرسل دولاراً إلى صندوق البريد الرقم كذا». وبدأ الملايين من الناس يتوافدون إلى مراكز البريد ويرسلون دولاراً، خصوصاً ان صغر المبلغ المطلوب لا يعطي مؤشرات إلى وجود احتيال أو تضليل. واستطاع الرجل خلال فترة زمنية قصيرة ان يجمع الملايين من الدولارات، وعندما تبين للناس الاحتيال في الإعلان تقدموا بقضية أمام محكمة ما لبثت ان ردت عليهم بنوع من الاستهزاء: «القانون لا يحمي المغفلين».
هذه المقولة تهدف إلى تشجيع المستثمرين على أخذ جانب الحيطة والحذر في الأفعال والأقوال التي يقومون حتى لا تزول عنهم الحماية القانونية. ويُلاحَظ في العديد من عمليات الاحتيال المالي والاستثماري والعقاري التي تنشر الصحف في الأردن أخبارها، استخدام المحتالين وسائل مبتكرة لإتقان الاحتيال. وخلال انتشار ظاهرة المحافظ والبورصات وشركات توظيف الأموال الوهمية في مختلف أنحاء الأردن قبل سنوات، وجب التنبه إلى أخطار هذا الاستثمار الذي لا يستند عائده الكبير إلى منطق استثماري ويعكس سيطرة الطمع وانخفاض مستوى الوعي الاستثماري.
وينبغي على المستثمرين في سوق عمّان المالية، خصوصاً الصغار منهم، تجنب الانجراف خلف كبار المضاربين. ويصح الأمر نفسه على عمليات الاحتيال العقاري الذي تعددت وسائله وإغراءاته. ويرى قانونيون ان المستثمرين المغفلين يعتمدون على عواطفهم وليس عقولهم عند اتخاذ قرارات الاستثمار إضافة إلى ثقتهم المفرطة بالناس وعدم إدراكهم خطورة تعاملهم اعتماداً على حسن النية وغفلتهم عن أخذ الاحتياطات اللازمة.
والملاحظ في الأردن ان القانون يحمي من حيث المبدأ المستثمرين المغفلين لأنهم ضحية غفلتهم وحسن نيتهم، لكن القانون لا يحمي إلا من استطاع ان يوفر الأدلة والشواهد التي تثبت حقه. وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية وجود جهات حكومية وأهلية متخصصة، وفي مقدمها هيئة الأوراق المالية والمصرف المركزي ودائرة الأراضي، يرجع إليها المستثمرون لأخذ استشاراتهم قبل الإقدام على أي عملية مالية أو استثمارية لحمايتهم من المحتالين.
فعندما يعرض محتالون بيع ذهب مغشوش بسعر مغر، أو عملات أجنبية بأسعار مغرية، أو بيع أراضٍ بأسعار رخيصة، أو الفوز بجائزة كبيرة في مقابل رسوم محددة، أو شيكات مزورة مسحوبة على مصارف أجنبية بحسوم كبيرة، أو عائداً شهرياً مضموناً في مقابل توظيف الأموال (بنسبة 10 في المئة شهرياً أو 120 في المئة سنوياً بينما تدفع المصارف للمودعين 3.5 في المئة سنوياً)، لا بد للمستثمر من ان يتأكد من صحة هذه العمليات بالرجوع إلى أصحاب الخبرة والتخصص حتى لا يصبح من شريحة المغفلين ولا يكون الطمع وحده هو صاحب القرار في هذه المواضيع.
ومع أهمية رفع مستوى ثقافة الاستثمار، فالجهات المعنية مطالَبة برفع مستوى الثقافة القانونية للمجتمع، أي ثقافة الحقوق والواجبات وآليات حمايتها من الضياع والتفريط، فالقاضي لا يحكم بمجرد الادعاء إنما يحكم على أساس ما يتوافر لديه من بيانات وعند عدم توافرها يلجأ إلى ما تقرره نصوص القانون. لذلك تعرض عدد كبير من المستثمرين إلى خسائر نتيجة توقيعهم عقوداً أو معاملات أو مبايعات أو اتفاقات أو عقود استثمار أو غيرها من المعاملات المالية والاستثمارية من دون اطلاعهم على تفاصيلها.
* نقلاً عن الحياة