ليبيا.. البيضاء تنبض بالحياة على حدود "دولة داعش"

المصدر: البيضاء (شرق ليبيا)- خليل ولد اجدود
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

الطريق الممتد على مدى ١٨ كيلومترا هي المسافة الفاصلة بين الأبرق البلدة الصغيرة التي يقع فيها المطار، وبين وسط مدينة البيضاء العاصمة المؤقتة للحكومة الليبية المعترف بها دولياً، يعكس حال ليبيا التي تمر بظروف أمنية واقتصادية واجتماعية صعبة، على خلفية استمرار الاقتتال الداخلي والمد الأصولي المسلح والانقسام السياسي الذي كرسه وجود حكومتين وبرلمانين يدعي كل منهما امتلاك الشرعية الدستورية.

الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش تتعدد في بضع كيلومترات قبل الوصول إلى الفندق، وفيما يضع جنود وضباط صف متقاعدون تم استدعاؤهم للعودة إلى الخدمة العسكرية أصابعهم على الزناد لكي يبقوا على أهبة الاستعداد عند حاجز رئيسي قبل دخول البيضاء، يراقب زملاؤهم المتمترسون خلف حواجز إسمنتية وترابية حركة السير للتدخل السريع إذا ما اقتضت الضرورة الأمنية ذلك.

بعض العسكريين تقدم في السن نسبيا ومنهم من أحيلوا إلى التقاعد منذ أكثر من عشر سنوات لكن لديهم حماس كبير للدفاع عن ليبيا، يقول مرافق أمني في الطريق من المطار إلى الفندق.

وعلى جنبات الطريق تصطف طوابير السيارات الطويلة وينتظر أصحابها لساعات في ظل طقس بارد جدا وممطر قبل الحصول على كمية محدودة من البنزين في محطات توزيع الوقود، حيث تواجه ليبيا البلد الغني بالنفط أزمة حادة في إمدادات الوقود والغاز.

وداخل مدينة البيضاء تنتشر وحدات قليلة من جهاز الشرطة تضم ثوارا سابقين تم دمجهم في جهاز الأمن، إذ على الرغم من وجود نواة لجيش مهني وشرطة ناشئة يتبعان الحكومة المؤقتةـ غير أن انتشارهما في المدينة يبقى محدودا، فالكثير منهم يرابط في الثغور أو يقاتل في الجبهات بالقرب من درنة معقل تنظيم داعش المتطرف، أو في بنغازي ثاني أكبر مدن ليبيا التي يريد مقاتلو الحكومة استعادة السيطرة على جميع أحيائها وبسط الأمن فيها بعد عدة أشهر قضتها في قبضة مجلس شورى الثوار وهو تحالف لمجموعات أصولية متشددة من بينها كتائب تتبع الجهاديين، ودرع ليبيا -ذراع الإخوان- العسكري وأنصار الشريعة.

ومن اللافت أن الحكومة المؤقتة تعتمد أساسا على السكان في استقرار الوضع الأمني داخل المدينة التي انتقلت إليها لتسيير الأعمال بشكل مؤقت بعد احتلال العاصمة طرابلس الصيف الماضي من طرف قوات فجر ليبيا (تحالف أصولي قبلي ومناطقي).

وتسير الحياة في شكل طبيعي بالبيضاء (١٢٠٠كلم إلى الشرق من طرابلس) رغم مظاهر الانتشار الأمني وتعدد نقاط التفتيش حيث تكتظ الأسواق بالمتسوقين وكذلك المقاهي بالرواد، فيما يزيد اختناق حركة المرور وزحمة السيارات وضجيجها في تعكير المزاج العام لمواطنين تمر مدينتهم ودولتهم بظروف استثنائية قاسية.

ويواجه سكان البيضاء أوضاعا اقتصادية واجتماعية صعبة بسبب استمرار القتال في شرق ليبيا والذي أدى إلى نزوح آلاف الأسر إلى مدينتهم وتراجع إنتاج النفط من حوالي مليوني برميل يوميا إلى مائتي ألف قبل أن يرتفع قليلا خلال الأيام القليلة الماضية ليصل حوالي أربعمائة ألف برميل.

وفيما يلقى تردي الحالة الأمنية والاقتصادية بظلاله الثقيلة على تفاصيل حياة الناس اليومية، أخذ رجال أعمال من أبناء المدينة زمام المبادرة وعملوا منذ أشهر على توفير الحاجيات الأساسية من أغذية وأدوية وملابس.

وقال لـ"العربية.نت"، تاجر من المدينة طلب عدم الكشف عن اسمه، كما تشاهد "لا يمكننا أن نتخلى عن واجبنا ونترك أهلنا يواجهون كل هذه المصاعب الحياتية اليومية والقاسية لوحدهم، نحن نقرض الحكومة في انتظار أن تستعيد السيطرة على العاصمة طرابلس وباقي مدن ومناطق وطننا ليبيا".

وسيساعد جهد كهذا في تخفيف معاناة فئات من الليبيين مع انشغال حكومة عبد الله الثني بمعارك كبيرة، تبدو بالنسبة لها أكثر أولوية من تسيير تفاصيل الحياة اليومية.

إنها معركة عسكرية مع الجماعات المتطرفة وسياسية مع خصومها في حكومة وبرلمان طرابلس ودبلوماسية في أروقة الأمم المتحدة لرفع حظر الأسلحة المفروض من طرف مجلس الأمن الدولي.

وتشكل البيضاء قبلة قادة الثوار السابقين الذين أطاحوا بنظام معمر القذافي والموظفين الحكوميين الذين هجروا مكاتبهم في طرابلس الغرب بعد سيطرة مليشيات فجر ليبيا على العاصمة.

ويعتقد مساعدو عبد الله الثني رئيس الحكومة المنبثقة عن برلمان طبرق المنتخب والمعترف به دوليا، أن انتقال الحكومة وجيش كبير من الموظفين الحكوميين إلى مدينة البيضاء ثالث أكبر مدينة في ليبيا لتسيير الأعمال منها بشكل مؤقت كعاصمة بديلة، قد منع سقوط ليبيا وانهيار الدولة الليبية الذي خططت له أطراف إقليمية ودولية بتواطؤ من جهات داخلية أبرزها إخوان ليبيا.

"هنا العمق القبلي والشعبي لعملية الكرامة ولحرب الجيش الوطني على الإرهاب وهذا ما يضمن الأمن أكثر من أي شيء آخر"، يقول لـ"العربية.نت"، ابراهيم المدني قائد كتيبة محمد المدني إحدى كتائب مدينة الزنتان غرب ليبيا، وآخر من انسحب من طرابلس بعد معارك ضارية مع المتشددين ونجل محمد المدني الزعيم العسكري الراحل للزنتان.

وجاء المدني إلى البيضاء للقاء مسؤولين حكوميين وبعض قيادات الجيش الوطني الليبي، وفيما ينظر إلى الشاب النحيف الذي لا تعكس بنيته قوته العسكرية، كهدف محتمل للمتطرفين بعد أن واجه المليشيات الإسلامية في طرابلس على مدى أربع سنوات ودمج مقاتليه في الجيش الوطني الليبي ووضعهم رهن إشارة قيادته، كان لافتا كونه لا يكترث كثيرا لأمنه الشخصي مثل الكثير من قيادات الثوار رغم حساسية الأدوار التي قاموا بها منذ الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي.

ويشدد عمر القويري وزير الإعلام على أن البيضاء العاصمة المؤقتة آمنة جدا، وقال في حديث مع مراسل "العربية.نت": "أنا أتحرك هنا مثلا بدون حراسات مثل باقي أعضاء الحكومة وأجهزة الأمن تقوم بعملها على نحو جيد".

بيد أن خبراء أمنيين يعتقدون أن خطر المتشددين على عمل الحكومة من البيضاء في تزايد، ويشيرون في هذا الصدد إلى الإعلان مؤخرا عن ميلاد تنظيم مجلس ثوار البيضاء الأصولي والذي توعد باستهداف أعضاء الحكومة، ما عزز المخاوف من هجمات إرهابية انتقامية خاصة أن معظمهم يقيم في فنادق، تبدو إجراءات الأمن حولها وفي داخلها ضعيفة ولا تتماشى مع احتمالية وجود مندسين أو خلايا نائمة تابعة لداعش وأخواتها في ليبيا.

وعند البوابة الشرقية للمدينة والتي تشكل الحاجز الأخير قبل دخول السيارات القادمة من درنة، تبدو القوة الأمنية الموجودة والتي تتشكل في معظمها من ثوار سابقين في حالة تأهب قصوى وعكس الاستنفار هواجس أمنية غير مسبوقة بعد أن حاولت مجموعات من داعش اقتحام مدينة البيضاء ردا على الغارات المصرية التي استهدفت مواقعه وقتلت العشرات من مقاتليه الشهر الماضي.

ومع أن داعش انتقم بشكل وحشي من المدنيين في مدينة القبة القريبة إلى مدينة البيضاء عبر هجمات انتحارية أدت إلى قتل وجرح العشرات يأمل أفراد القوة عبر بناء تحصينات بسيطة وأسلحة فردية وأخرى متوسطة في أن يتمكنوا من صدّ هجمات يحاول داعش تنفيذها كي يشفى غليل مقاتليه ومناصريه بإراقة دماء المزيد من المدنيين الأبرياء في ليبيا.

ويشكل قرب درنة عاصمة إمارة داعش في ليبيا، هاجسا أمنيا دائما في البيضاء ويعتقد أن المتشددين قد قاموا بتخزين كميات كبيرة من الأسلحة المتوسطة والثقيلة في درنة على امتداد أربع سنوات، وتتحدث التقارير الاستخباراتية عن وجود أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب في المدينة.

ويضطر وزراء وموظفو الحكومة الشرعية إلى استخدام طائرات مروحية في رحلاتهم بين البيضاء وطبرق مقر البرلمان بالنظر إلى وجود درنة في الطريق بين المدينتين، وعلى الرغم من أن الجيش الليبي يحاصر المدينة ويحاول تأمين الطريق الصحراوي أكثر من الساحلي، إلا أن داعش ينجح من وقت لآخر في إرسال قطاع طرق من منتسبيه يقومون بالاستيلاء على زاد المسافرين أو خطفهم وعرض الإفراج عنهم مقابل فدى أو قتلهم.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط