يستعرض كتاب "تحت راية العقاب.. سلفيون جهاديون تونسيون" للكاتب الصحافي هادي يحمد، تفاصيل مثيرة عن نشأة المتطرفين التونسيين ونمو هذه الظاهرة، محاولا تفسير أسباب انتشارها بسرعة جنونية حتى أصبحت تونس أول مصدر للمقاتلين الذين يشاركون في الحرب في سوريا والعراق.
وبأسلوب قصصي مشوق يوحي لك بأنك تتابع فيلما وثائقيا، يبدأ هادي يحمد كتابه بسرد تفاصيل اغتيال السياسي اليساري شكري بلعيد قبل عامين، على يد مسلحين متطرفين، مقتحما من هذه البوابة عالم الجماعات السلفية المتطرفة في بلد كان ينظر إليه على أنه من إحدى قلاع العلمانية في العالم العربي.
الكتاب الذي جاء غلافه موشحا بالسواد وتتوسطه دائرة بيضاء في إشارة لما يعرف "بعلم الجهاد"، كان ثمرة تحقيقات صحافية للكاتب منذ ثلاثة عقود عن المتطرفين التونسيين، وهو رسم لملامحهم ومسالكهم التي اتبعوها للالتحاق بما يسمونه "أراضي الجهاد".
وجاء الكتاب في 243 صفحة، وهو عبارة عن رحلة شيقة وخطيرة بين عدة مدن في العالم، يحاول يحمد من خلاله الإجابة عن سؤال مؤرق: ما الذي يدفع الآلاف من التونسيين إلى الانخراط في القتل واختيار مسالك مثل هذه في بلد طالما عرف بنمط عيش متحرر يقترب أحيانا كثيرة من النمط الغربي؟
وتظهر إحصائيات حكومية أن حوالي ثلاثة آلاف تونسي يقاتلون في صفوف جماعات متشددة، ومن بينها تنظيم داعش ضد قوات النظام السوري.
وقال مسؤولون في وقت سابق هذا العام إن "قوات الأمن اعتقلت مئات من المتشددين المتورطين في قتل جنود من الجيش أو الشرطة أو التحضير لهجمات". وأضافوا أن "عددا كبيرا منهم عادوا من ساحات القتال في سوريا والعراق وليبيا".
ومنذ الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس السابق، زين العابدين بن علي، قبل أربع سنوات برز نفوذ جماعات متطرفة، من بينها أنصار الشريعة بعد عقود من القمع والسجن والنفي في ظل حكم بن علي. وصنفت تونس أنصار الشريعة تنظيما إرهابيا بعد اغتيال اثنين من زعماء اليسار التونسي وهجوم استهدف سفارة الولايات المتحدة في 2013.
ولم يقتصر هادي يحمد في كتابه على دراسة الظاهرة الشائكة في السنوات الأربع الماضية، بل كان كتابه عبارة عن رحلة زمنية بدأت من أواخر تسعينيات القرن الماضي حتى هذا العام.
اختار يحمد أن يبدأ بسرد تفاصيل اغتيال بلعيد، لأنها كانت زلزلا سياسيا حقيقيا في تونس، أشعل الضوء الأحمر ونبه إلى جدية تهديدات المتطرفين للديمقراطية الناشئة في تونس، بعد أن ظلوا قبل ذلك يرددون أن "تونس أرض دعوة وليست أرض جهاد".
لكن الرحلة في عالم المتطرفين لم تكن مرتبة زمنيا، فبعد أن بدأ باغتيال بلعيد في 2013 عاد الكاتب ليذكر بخروجهم للعلن بعد الانتفاضة في أول مؤتمر لهم بتونس في 2011، قبل أن يعود بعقارب الساعة لحكم بن علي ويصور كيف نما هذا الجنين في سجون النظام السابق، مستفيدا من امتلائها بقيادات رحلت من أفغانستان والعراق وغوانتانامو.
ويكشف يحمد أن هذه القيادات كانت تبث خطاباتها في السجون أينما وجدت تربة خصبة، لتفريخ مئات من مشاريع المتطرفين الجدد الذين باتوا ينتظرون خروجهم من السجون ليتحولوا إلى قنابل موقوتة قد تنفجر في تونس أو خارجها في أي لحظة.
ويعود الكاتب أكثر إلى الوراء ليكشف كثيرا من أسرار متطرفين ضمن ما يعرف بخلايا أوروبا، مستعينا بحوارات معهم ونبذات عن كثير منهم ممن سافروا للقتال في الصومال والعراق.
تتالت في الكتاب الشهادات والقصص المؤثرة والقوية لمقاتلين تونسيين خرجوا من البلاد، ولقي كل واحد منهم مصيرا مختلفا عن الآخر من القتل إلى الاغتيال والاعتقال أو الترحيل، وأحيانا الضياع في غابات السافانا الكثيفة على الحدود الصومالية الكينية.
ويعتبر هذا أول كتاب في تونس يتطرق لهذا الموضوع الشائك. ولعل التحقيقات الصحافية للكاتب وعمله على مثل هذه المواضيع منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي قد ساعدته على اقتحام عالم ظل غامضا لعقود.
وقد أحرز يحمد - وهو مدير ورئيس تحرير مجلة حقائق أونلاين - العديد من الجوائز، من بينها جائزة أفضل تحقيق صحافي أسندتها له جمعية الصحافيين التونسيين عن تحقيقه حول "المحكوم عليهم بالإعدام في تونس".
وتضمن الكتاب عديدا من الحوارات المهمة، من بينها حوار مع زعيم تنظيم أنصار الشريعة سيف الله بن حسين، المعروف باسم أبي عياض، وهو المطلوب رقم واحد للسلطات التونسية يعتقد أنه فر إلى ليبيا.
ويقول يحمد إنه أراد إلقاء الضوء على ظاهرة مقلقة وخطيرة، وإنه اختار تناولها بأسلوب قصصي مشوق سعيا لأن تكون الرحلة هادئة ومريحة، وتمكن من فك بعض رموز ظاهرة معقدة للغاية اجتاحت بلدا متحررا.
ويرى المؤلف أن كتابه قد يفتح نافذة لمعالجة الظاهرة، لكنه يشدد على أن المعالجات الأمنية غير كافية، مطالبا بأن يكون التعامل اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا أيضا لعله يساهم في دفع بعض المتشددين إلى مراجعة مواقفهم.