بعد جدل وأخذ ورد، بين كل من رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد، والأحزاب الأربعة المكونة للائتلاف الحكومي، أعلن يوم السبت عن حركة واسعة في سلك الولاة (المحافظات)، شملت 14 ولاية (محافظة).
ليبدأ جدل آخر حول "هوية" الولاة الجدد، من حيث انتماءاتهم السياسية، وسط تأكيد على "عودة التجمعيين"، برضى وقبول من "النهضة". كما تمت إثارة ملاحظات حول مدى التزام رئيس الحكومة بمعيار "الكفاءة"، الذي وضعه كشرط أساسي قبل الانتماء الحزبي والسياسي.
من المهم الإشارة، إلى أن حركة الولاة الأخيرة هامة جدا، سواء من حيث عدد الولايات التي شملتها وهي 14، أي أكثر من النصف بقليل، كما شملت مناطق هامة سياسيا وإداريا مثل تونس العاصمة ومنوبة واريانة، واقتصاديا مثل صفاقس ونابل وقابس، واجتماعيا - في علاقة بالحراك الاحتجاجي - مثل سيدي بوزيد، وكذلك أمنيا في علاقة بالولايات الحدودية مع الجزائر مثل القصرين والكاف أو على الحدود مع ليبيا مثل مدنين.
هذا ما يجعل منها أوسع حركة تمس هذا السلك الهام منذ مغادرة الترويكا للحكم في يناير 2013. ومن هنا تأتي أهمية البعد السياسي للحركة، بعد أن كان حاضرا بقوة، ولعله هو الذي يفسر تأخر الإعلان عنها، بسبب طول "المفاوضات" و"الضغوطات" التي طبعت العلاقة بين رئيس الحكومة وأحزاب التحالف الحاكم، خاصة حزب "حركة نداء تونس".
في هذا السياق، لا نخفي الإشارة، إلى بروز عملية "لي ذراع" بين "القصبة" و"البحيرة". فقد علمنا أن الحبيب الصيد رفض "الخضوع" لإملاءات "الحزب الأغلبي"، وأنه تمسك بشرط "الكفاءة" و"التجربة" قبل الولاء أو اللون الحزبي، حتى لو كان المرشح من الحزب الذي أوصله لسدة الحكم.
ونضيف، أنه ووفق معلومات استقيناها من مصادر قريبة من صنع القرار في "القصبة"، فإن رئيس الحكومة قام برفض عديد الأسماء التي تم ترشيحها من حزب "نداء تونس"، وأنه تمسك بالرفض ومارس صلاحياته الدستورية كاملة، كرئيس للحكومة تعود له "شرعية" الحسم في التعيينات.
علمنا أن الصيد وطيلة لقاءاته مع الأحزاب أكد على مواصفات الوالي كما يراها، والتي أساسها "الكفاءة أولا"، إضافة الى عدم الإقصاء على أساس اللون السياسي، وهو ما أكد عليه خلال تحوله الى مونبليزير ولقائه بقيادات "النهضة" بقيادة الشيخ راشد الغنوشي، لقاء "طمأن" النهضويين من جهة، وأزاح عن الصيد كل تشكيك مسبق أو لاحق في اختياراته، خيار كسبه رئيس الحكومة، حيث لم يصدر موقف "رسمي" للنهضة ناقد أو معارض للأسماء التي تضمنتها حركة الولاة. على خلاف بقية أحزاب التحالف الحاكم، التي تمثلت في رفض من "قبل الاتحاد الوطني الحر"، و "صمت" من قبل "افاق" و "استياء" في "نداء تونس" الحزب الأغلبي.
هذه المواقف المتباينة، تبرز أن الحبيب الصيد لم يخضع ل "ضغط" الأحزاب، وأنه كان له ما أراد في أن يكون هو "المسؤول الأول" في قرار التعيينات، بعد جولة طويلة من التفاوض مع الأحزاب والمنظمات وحتى قادة الرأي.
وهي رسالة واضحة للجميع، مفادها أنه لن يتنازل عن صلاحياته الدستورية كرئيس للحكومة، على أنها رسالة تبقى في حاجة للتأكيد خصوصا في ظل فرضية المرور الى اقرار تحوير وزاري على التركيبة الحكومية الحالية، وهو سيناريو وارد وربما مطلوب في ظل وجود هنات وضعف في قطاعات عديدة، تفترض احداث تعديل على الوزراء المشرفين عليها.
بالعودة الي سيرة الولاة الجدد وخاصة هويتهم السياسية، لا بد من التأكيد على أمرين اثنين، يتصل الأول بالكفاءة والتجربة، التي تمسك بها الحبيب الصيد، نجد أن المعينين تتوفر فيهم، ولهم تجربة في العمل الاداري والميداني والجهوي، وهذا شرط مهام وضروي في منصب الوالي (المحافظ).
أما الأمر الثاني، والمتصل بالبعد السياسي – وهو جدلي بطبعه – فإن عددا كبيرا من الولاة الجدد هم من الذين سبق لهم النشاط ضمن "التجمع الدستوري الديمقراطي"، وهي "شبهة" ما تزال تعيق البلاد عن الاستفادة من كفاءات الدولة التونسية.
ولعلها مناسبة لكسر هذا "الحاجز النفسي" في اتجاه تعبيد الطريق نحو المصالحة الوطنية، التي هي بدورها محل جدل سياسي ومجتمعي.
في المقابل يرى خصوم هذا التوجه، أن خلفية رئيس الحكومة السياسية، بوصفه أحد رموز ما قبل الثورة، جعلته ينفتح على "كفاءات من تياره السياسي" ومن "الإرث الإداري" الذي اشتغل فيه طيلة مساره المهني، أكثر من الانفتاح على كفاءات أخرى سواء داخل الأحزاب أو من المستقلين الذين تعج بهم الإدارة، برغم أنهم شريحة ممثلة وبقوة في حركة الولاة الأخيرة.
يبقى أنه من الانتقادات الموجهة لتسميات الولاة الجدد غياب التسميات النسائيّة.
وهنا انتقدت عضو مجلس نواب الشعب عن حركة نداء تونس بشرى بلحاج حميدة في تصريح إعلامي عدم وجود العنصر النسائي في القائمة الجديدة للولاة .