السياسي العراقي المثير للجدل الدكتور أحمد الجلبي، الذي رحل عن عالمنا مؤخرا ليلحق بدار الحق.. كل فصول حياة هذا الرجل حافلة بالعواصف والأمواج، كما بنسائم الربيع.
هو ابن عائلة بغدادية شيعية أرستقراطية، سياسية منذ العهد الملكي، يتسم بالذكاء والألمعية والتحصيل العلمي الأمريكي المرموق.
تبدأ الإثارة الحقيقية في حياة الجلبي، من التحضير للغزو الأمريكي للعراق وإسقاط نظام صدام حسين، 2003، هو قبل ذلك كان قد حاول في كردستان العراق ولم ينجح، لكنه استغل إعصار الغضب الأمريكي من جراء هجمات 11 سبتمبر 2001، وامتطى الإعصار الأمريكي نحو العراق. الأمر لم يتوقف عند سعي العراقيين أو كثير منهم لحياة حرة كريمة، عوض نظام صدام القمعي، وأيضا الذي كان يئن منه العراقيون بعد عقد من العقوبات الاقتصادية القاسية، هذا سعي مفهوم، لكن غير المفهوم هو مافعله ساسة أمثال الدكتور الجلبي بعد ذلك.
لقد زرعوا الفتنة الطائفية في العراق من خلال تصميم إطار سياسي مريض للعمل في الساحة العراقية، ولو فحصنا بعمق من هو مؤسس الطائفية السياسة في العراق اليوم، لوجدنا بصمات أحمد الجلبي واضحة.
المفارقة أن الرجل كان علمانيا ليبراليا كما يقدم نفسه، لكنه قدم الخدمات الجلية للأحزاب الشيعية الأصولية، من خلال اختراع الأطر السياسية والحيل الدستورية التي تعزز من القبضة الطائفية الشيعية لحكم العراق، وتفرز المشهد العراقي على أساس مذهبي مثير.
يذكر الباحثون أن الأمريكيين حاولوا الحصول على دعم إيران لغزو العراق، فأرسلوا أحمد الجلبي بين عامي 2002 و2003 للتنسيق مع إيران، وليعلن من طهران أن علاقة "المؤتمر الوطني" بإيران علاقة استراتيجية، فهم الأمريكان كلمات الجلبي بأنها محاولة لطمأنة إيران، لكن الجلبي قصد كل كلمة قالها. في منتصف 2004 داهمت القوات الأمريكية مقر "المؤتمر الوطني" في منطقة المنصور ببغداد واستولت على وثائق سرية تؤكد أن الجلبي نقل وثائق ومعلومات لإيران بالغة الخطورة.
دعا لاحقا لإنشاء البيت الشيعي لينشأ بعد ذلك المجلس السياسي الشيعي، وكانت تلك ضربة عميقة للنسيج العراقي الاجتماعي ومرضا قاتلا للجسد السياسي في العراق.
انخرط الدكتور السياسي العلماني في العمل لصالح البيت الشيعي على طريقة الأحزاب الأصولية، ويتذكر كثيرون نشاطه ذلك، على سبيل المثال كلمته في مؤتمر نظمه حزب الله في لبنان عام 2011 حول ما أطلقوا عليه "انتهاكات حقوق الإنسان في البحرين"، وهو المؤتمر الشهير الذي قوطع فيه الجلبي بالضرب من أحد الحضور.
الرجل في أخريات عمره أصيب بالإحباط من تخلي الأحزاب الشيعية عنه، وقاد حركة بصفته رئيس اللجنة المالية، لمكافحة ما سماه بالفساد المالي الكبير، ولكنه توفي قبل أن يرى نتائج مسعاه.
ما من شك أننا نتحدث عن شخصية مؤثرة مميزة خطيرة في تاريخ العراق بل المنطقة كلها، ولسنا هنا للمحاسبة، فذلك شأن رب العباد، نحن هنا للتأمل في سيرة شخصية عامة رسمت ملامح الحاضر العربي في منطقة الهلال الخصيب وليس العراق فقط.
حلقة جديدة من #مرايا مع الزميل #مشاري_الذايدي وحديث خاص حول عراق أحمد الجلبي.