منذ أن دشن الملك المؤسس عبدالعزيز رحلة بناء الوطن السعودي بدخوله الرياض 1902 حتى وفاته 1953 تقريبا نصف قرن، وهو لا يتوقف عن الجديد المفيد من أجل شعبه وبلده.
المزايا القيادية والإدارية لهذا المؤسس العظيم كثيرة، لكن أبرزها هو أنه لم يكن مترددا أو مسوفا حين يتعلق الأمر بما يخدم مصلحة الحكم ومستقبل الدولة ورفاهية الشعب، تحت عنوان غير مزايد هو الإسلام والتقاليد الحسنة.
كل خطوة جديدة خطاها الملك عبدالعزيز، كما ورجال إدارته ورجال حربه ورجال سياسته، لم تكن سهلة الهضم ويسيرة التقبل عند أعداء الجديد وأنصار القديم، بحجة الدين تارةً وبحجة العادات تارة أخرى.
على سبيل المثال حين أسس الملك عبدالعزيز نظام الاتصالات البرقية، في شكلها التكنولوجي الأولي، كان يخوض معركة حقيقية مع أعداء الجديد، بل إن مجموعة إخوان السبلة، وهم الجزء الذي انشق من جيش الملك عبدالعزيز بحجج دينية في ظاهرها، كان من مآخذهم على الملك عبدالعزيز وجود نظام البرقية وإرسال ابنه سعود لمصر واستقبال الضيوف الغربيين.
كان المجتمع، خاصةً في وسط البلاد، حديث عهد بما عليه العصر، وكان الملك عبدالعزيز الرجل المؤمن العميق الإيمان، على يقين من أنه لا تعارض بين التمسك بعرى الدين وفي نفس الوقت الأخذ بأسباب التقدم التقني، بما يخدم مصالح الناس والبلاد المترامية الأطراف.
حتى التنقيب عن البترول جوبه بمعارضة من بعض رجال الدين، ونصحوا الملك بأن لا يثق بالنصارى ولا يتركهم "يدوجون" في بلاد المسلمين، وكل هذا موثق ومعروف، وقد ذكر طرفا من هذه الوثائق السياسي والمؤرخ الراحل عبدالعزيز التويجري في كتابه "لسراة الليل هتف الصباح".
زاوج المؤسس بين مسارين، مسار التقدم الإداري والتقني والتعاون مع كل القوى الإقليمية والدولية لصالح البلد والناس، وفي نفس الوقت التأكيد على الانطلاق من الهوية الإسلامية. وكان حين يكثر عليه من يكثر الاعتراض على أمر فيه مصلحة عامة، بحجة دينية، وبعد استيفاء الجدل، يقدم على هذا الأمر.
لقد كان الملك عبدالعزيز منخرطا في تحديات الحاضر متطلعا لوعود المستقبل، وكان قبل وبعد ذلك قارئا واعيا للتاريخ، كان هو أبو النهضة السعودية الحديثة.