شيء ما في الصحة المناخية والبيئية لأوروبا وأميركا ليس على ما يرام، ففيهما فيضانات واجتياحات مائية من نوع متشيطن تداهم منذ أسبوع أرجاء ومناطق واسعة في القارتين، منها ما يهدد الآن بتحويل مدينة بريطانية إلى ما يشبه سفينة "تايتنك" الغريقة القرن الماضي، إلى درجة أن نصفها اختفى السبت تحت مياه جرّافة، بفعل أمطار مستمرة منذ أسبوع، ولا يبدو أن لاحتدامها مكابح توقفها قريبا عند حدها.
مدينة "يورك" البعيدة في مقاطعة "شمال يوركشير" بإنجلترا، أكثر من 320 كيلومترا عن لندن، اقتحمتها السيول من جوانبها، بحسب ما يظهر من الفيديو الذي تعرضه "العربية.نت" الآن، وجعلت منازل معظم سكانها البالغين 310 آلاف طعما للماء، وسط طقس من الأسوأ يعاقب الشمال الإنجليزي منذ أسابيع.
الطقس الذي استفحل أكثر منذ أسبوع تقريبا، أخرج مياه أنهار بمدينتي "مانشستر" و"ليدز" وبلدات الجوار عن مسارها، ورفع منسوب مياهها، ودفع بريطانيا لتعلن طوارئ، تكافح بها ما عبرت عنه تغريدة "تويترية" أطلقها رئيس وزرائها، وقال: "قلبي مع من غمرت الفيضانات منازلهم". الا أنه قد يكررها مرات على ما يبدو، لأن العقاب المائي الشديد مستمر، وهو الى مزيد.
ويتوقعون ليورك الأسوأ بدءا من الاثنين، على حد ما سمع سكانها من تحذير أطلقته "لجنة الطوارئ البريطانية" الناشط 200 من عناصرها بشمال إنجلترا، ممن سيلحق بهم 300 آخرين اليوم، إضافة إلى تحذير صدر عن شرطة المدينة، وقرأته "العربية.نت" مكررا في مواقع وسائل إعلام بريطانية عدة طالعت فيها ما يحدث، وفيه أن أكثر من 3500 مسكن معرضة لخطر تام، لوجودها قرب نهري Ouse و Foss المهددة مياههما باجتياحها وضعضعة أساساتها إذا ما تخطى منسوب كل منهما 5.4 أمتار.
الشرطة التي أصبحت توجه نصائحها لسكان "يورك" السياحية التاريخية عبر مواقع التواصل بعد أن أصبحت معظم منازلها بلا كهرباء، طلبت السبت من 400 منهم مغادرة منازلهم القريبة من الأنهار بعد نقل أمتعتهم إلى طوابقها العليا، في إشارة واضحة إلى اقتراب الأسوأ عليهم وعليها، بعد أن غمرت المياه أسافلها وأخفتها عن الأنظار، بسبب أمطار وصفتها وزيرة البيئة البريطانية، ليز تروس، بأنها "غير مسبوقة" وتوقعت حدوث فيضانات أسوأ.
وفي روما ظهرت عصافير معروفة باسم Sturnus vulgaris وهي "زرازير" أجمعت وسائل الإعلام الإيطالية على عنوان وصفتها فيه بكلمات Um stormo di Storni أو "قطيع من الزرازير" جاء إلى العاصمة الإيطالية فجأة من شمال أوروبا في عز الشتاء، وهي مرقطة الريش بالأبيض والأسود، وظهر أوائلها في ديسمبر الجاري، ثم تكاثر بالملايين كما الجراد، طبقا لما يظهر بصورة نشرتها صحف ايطالية، ونقلتها "العربية.نت" عنها، مع معلومات بأن الزرازير المزعجة بضجتها تغادر المدينة نهارا الى مشاعاتها، ثم تعود لتعشعش فيها ليلا.
وفي الجانب الآخر من العالم، حيث القارة الأميركية، أدت زوابع إلى قلب سيارات على الطرق السريعة وتدمير منازل في تكساس بجنوب الولايات المتحدة، ورفعت حصيلة ضحايا الأحوال الجوية هناك إلى 26 قتيلا، منهم 8 قتلتهم زوبعة ضربت أجزاء من تجمع سكني، وقطعت الكهرباء عن المنطقة بأكملها، وفق ما ذكره مسؤولون أميركيون وتناقلته وسائل إعلام، منها صحيفة "دالاس مورنينغ نيوز" المؤكدة أن 4 زوابع "اقتلعت أعمدة الكهرباء وقطعت الكابلات، وحرمت 50 ألفا من الطاقة" وفق تعبيرها.
ناطق باسم شرطة مدينة Garland في ولاية تكساس، ذكر للصحيفة أن القتلى سقطوا "من إصابة آلياتهم في الزوابع بسبب الرياح الشديدة (..). واننا نعمل في الظلام" موضحا فيما قرأته "العربية.نت" بموقعها، أن "كل أنوار الشوارع والطرق السريعة مقطوعة" كما قال.
وفي جنوب القارة، حيث دول الباراغواي والأرجنتين والأوروغواي، ومعها بعض البرازيل، تعصف أسوأ فيضانات جرافة السيول عرفتها المنطقة، الى درجة أن 6 فقدوا حياتهم، ومعهم 150 ألفا تركوا منازلهم مهجّرين، منهم 130 ألفا من الباراغواي التي تحولت عاصمتها "أسونسيون" الى ما يشبه بحيرة، فأعلن رئيسها أوراريو كورتيس حالة طوارئ من أمطار غريبة تتساقط بلا توقف منذ أسابيع، وشردت 90 ألفا من منطقة محيطة بالعاصمة، معظمهم أفراد عائلات فقيرة تعيش في مساكن هشة على ضفتي نهر "باراغواي" حيث لا سيطرة هناك إلا للفيضانات.
وفي الأوروغواي ذكر "المكتب الوطني للطوارئ" أن أكثر من 9 آلاف اضطروا للفرار من منازلهم، وانه يتوقع أن تظل مستويات المياه عند منسوبها الحالي "لأيام عدة قبل انحسارها" مضيفا على لسان رئيسه فيرناند ترافيرسا، أنها "ناجمة عن ظاهرة النينيو المناخية (..) كنا نعلم أن تأثيرها الأشد بنهاية الربيع وبداية الصيف، لكننا لم نعرف الى أي مدى سيكون ذلك التأثير " كما قال.
أما في شمال الأرجنتين، حيث لقي اثنان من مواطنيها حتفهم، فأخلى 20 ألفا منازلهم، على حد ما نقلت وكالة "رويترز" مما ذكر ريكاردو كولمبي، حاكم منطقة "كورينتس" بعد أن حلق بطائرة فوق أكثر المناطق تضررا، وحين عاد قال: "سنواجه شهورا صعبة. العواقب ستكون خطيرة" وفق تأكيده.
الحالة المناخية في البرازيل من الأشرس أيضا، وحملت رئيستها ديلما روسيف على أن تستقل طائرة لتتفقد بها المناطق التي اجتاحتها فيضانات على الحدود مع الأرجنتين والأوروغواي، أي حيث ولاية "ريو غراندي دو سول" بالجنوب، بحسب ما اطلعت "العربية.نت" في وسائل إعلامها، ومعظمها ذكر أن 1795 شخصا أصبحوا مشردين هناك، وأن الامطار هتكت منازل في 38 بلدة، معظم طرقاتها تحول الى مجار لأسوأ اجتياحات مائية تعرفها الولاية الشهيرة بطقسها الجميل.