مثل رحيل المفكر السوري جورج طرابيشي خسارة كبيرة للفكر والثقافة في العالم العربي. فلأكثر من خمسة عقود أنتج طرابيشي من المؤلفات الفكرية القيمة، والتي أثرت المكتبة العربية ما عجزت عنه بعض الأكاديميات العلمية التي يشتغل بها عشرات المتخصصين. المحرك والهاجس الذي أشعل النشاط والعزيمة لدى المفكر الكبير خلال تلك العقود هي رغبته في تعميق وترسيخ الفكر المستنير والعقلاني في الثقافة العربية باعتباره الضمانة الوحيدة للانتقال من عالم التراجع والاحتراب إلى آفاق الحداثة والتقدم، واللحاق بالأمم التي تعقلنت وازدهرت.
وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون لم تكن جهود طرابيشي وانغماسه برؤية التنوير الفكري والحداثة الحضارية مقتصرة على تأليف الكتب وإقامة الندوات، بل كانت له نشاطات عديدة خارج هذه الأطر. فكما يذكر المفكر الليبي المعروف محمد عبدالمطلب الهوني، والذي ارتبط بصداقة طويلة ووثيقة مع طرابيشي في مقال تنشره العربية.نت بعنوان "في وداع طرابيشي"، فإن المفكر السوري كان مشاركا فاعلا في المشروع الثقافي "رابطة العقلانيين العرب" المعني بنشر المؤلفات الفكرية الداعية للتفكير والنقد.
كما يشير الهوني إلى أن صديقه الراحل لم يكن مهتما بالأشياء المادية في الحياة وكان يكتفي بالحد الأدنى، ليترك روحه تتجلى وتعبر عن ذاتها.
وبكلمات حزينة يرثي الهوني طرابيشي واصفا إياه بآخر المسيحيين العظماء الذين الذين أفنوا أعمارهم في أمة آمنوا بها واعتقدوا بنهضتها وانعتاقها.
ويضيف المفكر الليبي بتلويحة وداع أخيرة لصديقه المقرب ورفيق الدرب: "جورج لم يستأذن في الانصراف ولم يودع أحداً فكيف لروح انفلتت متحررة أن تودع أرواحا لا تزال حبيسة معتقلات الأجساد".
هنا نص المقال كاملا:
محمد عبدالمطلب الهوني
ما بين إطلالته على الدنيا وفراقه لها، عاش جورج وكأنه روح بلا جسد، ما كان يشغل حيزاً مادياً تشعر فيه الأجساد بالضيق أو المنافسة أو التدافع. ولكنه كان يشغل مساحات قارية في عالم الأفكار والرؤى، لذلك كان جورج لا يأبه بمتطلبات الحياة المادية، وكان يعيش بالحد الأدنى الذي يسمح للروح بأن تتجلى وتعبر عن ذاتها، من خلال مطية الحواس المرتهنة لإكراهات الجسد. كان دوماً يستعين على قضاء حوائجه بتركها.
جورج طرابيشي هو آخر عظماء المسيحيين العرب أمثال الإخوان تقلا وشبلي شميل وجورج زيدان وأبو ماضي وميخائيل نعيمة وجبران والبستاني، أولئك الكبار الذين أفنوا أعمارهم في خدمة أمة آمنو بها واعتقدوا في نهضتها وانعتاقها. وأسهموا في تحديث لغتها وآدابها وتاريخها وفلسفتها، بل هم من اجترحوا فكرة العروبة الحديثة وجعلوا العرب يحسون بهويتهم ويتموضعون في التاريخ الحديث.
جورج لم يستأذن في الانصراف ولم يودع أحداً فكيف لروح انفلتت متحررة أن تودع أرواحا لا تزال حبيسة معتقلات الأجساد.
إن الدموع التي سفحتها مآقي الذكرى على خدود الذاكرة وغلالة الحزن الضبابية تجعل الكتابة في نعي جورج طرابيشي عسيرة، فمن أين أبدأ وإلى أين أنتهي؟ إنها مسيرة حياة في صحراء فكرية موحشة، إنها رفقة في قافلة كثيراً ما خدعها السراب فتحاملت على العطش لتبلغ واحة «غودو» التي يتأوب إليها بين الفينة والأخرى عله يأتي ولكنه لم يأت بعد.
قبل أحداث أيلول/سبتمبر 2001 اجتمعنا في كل من باريس وروما وبيروت وتونس وجنيف، مجموعة من المفكرين وهم، جورج طرابيشي ومحمد أركون وصادق جلال العظم ومحمد الشرفي ونصر حامد أبو زيد وعزيز العظمة وناصيف نصار وعبدالمجيد الشرفي والعفيف الأخضر، وتدارسنا حالة الأمة الثقافية والبؤس الفكري الذي تعانيه، واتفقنا على مشروع فكري خارج نطاق النضالات السياسية التي لا تجلب غير الاصطفافات الأيديولوجية، وذلك بإقامة المؤسسة العربية للتحديث الفكري، يكون هدفها نشر الفكر العقلاني وإضاءة المسارب للشباب العربي، في اتجاه الحداثة، وكان جورج طرابيشي هو المحرك الذي وقعت عليه الأعباء الكبيرة في هذا المشروع، وكان يعمل بصمت، ورغم المتاعب كانت تغمره السعادة في رؤية أحد أحلامه القديمة يتحقق. ثم قمنا بتأسيس رابطة العقلانيين العرب وإصدار جريدة "الأوان" الإلكترونية لمزيد من التواصل بين المفكرين والنخب الثقافية، وانضم إلى هذا المشروع آخرون من بينهم رجاء بن سلامة وناجية الوريمي وهاشم صالح وسعيد ناشيد. وكان جورج يقضي جل وقته في خدمة هذه المؤسسات الثقافية بدون أجر، مصححاً وناقداً ومتتبعاً.
ثم جاء ما بات يطلق عليه "الربيع العربي" وما استتبعه من قتل ودمار ووحشية، عندما حدث هذا أحسست بأن جورج ذلك الإنسان المسالم والمتسامح بدأ يشعر بالاغتراب، لأنه كان يرى وجوها تقتل بفرح وابتهاج، معلنين أنهم من أهله وأبناء جلدته ولكنه لم يتعرف عليهم وشاهد أيادي تدمر المدن والقرى والجوامع والكنائس والأديرة، مدعين أنهم من مواطنيه، فلم يستطع أن يتبين نسبتهم إليه، وكانت كل مجزرة تدمي قلبه، وكلما رأى مئذنة أو صومعة تدمر يحس بجسده يقطع إرباً.
كان يرى الطائفية التي كان يمقتها تزدهر وتينع وأذكر صدمته وألمه في إحدى الأمسيات في مدينة تونس عندما أخبرنا أحد الدارسين في جامعة محمد الخامس في المغرب بأنه قدم بحثاً لنيل الماجستير، وكان موضوع الرسالة مقارنة بين أفكار طرابيشي ومحمد الجابري في نقد العقل العربي ونقد نقد العقل العربي، وأنه لم يجز في بحثه بسبب انتصاره لفكر جورج طرابيشي، وقال إن أحد الأساتذة المناقشين قرّعه بقوله كيف لك أن تنتصر لأفكار جورج ضد أفكار محمد. تستطيعون الآن أن تعرفوا لماذا مات جورج طرابيشي، إنه مات لرفضه مساكنة العبث ولم يكن له خيار آخر غير الغياب.
إن المسيرة التي بدأناها معا ترجل منها كوكبة من فرسانها محمد الشرفي ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون والعفيف الأخضر، واليوم يلحق بهم جورج طرابيشي تاركاً إرثاً ثقافياً كبيراً في الترجمة والتأليف في النقد الأدبي والفكر الفلسفي والتحليل النفسي والفكر الديني. لقد أنجز المهمة بكل إخلاص وإتقان وغادرنا من دون أن ينتظر شكراً أو ثناء، ربما كان يريد فقط كعادته أن يعتذر لأولئك الذين تهجموا عليه أو أساءوا له، أتصور أنه كان سيقول لهم عذراً لا حيلة لنا كلنا بما حدث لنا، إنه القدر الذي جمعنا في رحلة الحياة فليس لأحد منا خيار في كل ما حدث إنني أحبكم جميعاً.