(1)
تمتلئ المقاعد المطلّة على حمّامات السباحة فى الفنادق الكبرى بشاشات عرضٍ للمباريات الأجنبية.. ومن الصعب للغاية أن تجد مقعداً إذا ما كانت المباراة لبرشلونة أو ريال مدريد.. ومن الصعوبة أيضاً أن تجد طاولةً لك ولأصدقائك إذا ما كانت المباراة تخص الأندية الأوروبية أو اللاتينية الشهيرة.
(2)
لم يعد المشهد برجوازياً عند هذا الحدّ وفقط.. بل تمدّد المشهد ليصبح شعبياً فى القرى والنجوع وفى الأزقّة والحارات.. حيث يتزاحم البسطاء من عشاق كرة القدم لمتابعة مبارياتٍ تبعد عن بلادهم آلاف الأميال. ومع ذلك التمدد الهائل فى نفوذ وطغيان الكرة الأجنبية وتراجع وانحسار المدارس الوطنية فى كرة القدم.. باتَ من السهل أن تجد سؤالاً من نوع: «انت مع مين.. برشلونة ولاّ ريال؟».. وأن تجد تعليقاً من نوع: «إحنا مستعدين اليوم بقوة.. وميسى سيلعب من أول المباراة».
تراجع الحديث عن «الأهلى» و«الزمالك» لصالح الأندية الأوروبية.. وفى كل يوم ينسحب جانب من الجمهور من المحليّة إلى الأجنبيّة.
(3)
لقد فكّرت -بعضَ الوقت- فى هذه الظاهرة المخيفة.. تراجع «المدرسة الرياضيّة الوطنية» لصالح «الغزو الرياضى الأجنبى».. وكم أتمنى على علماء «الاجتماع الرياضى»، إذا كانوا موجودين، دراسة تلك الظاهرة.. وبحث حلول ووضع خريطة طريق لعودة الجمهور إلى الرياضة المصرية.. أو الإبقاء عليها قويةً إلى جوار الرياضة الأجنبية.
(4)
ربما كان من أسباب تلك الظاهرة.. حادث بورسعيد المأساوى.. وانكسار مسيرة كرة القدم فى مصر.. وربما كان من أسبابها أيضاً.. أن جمهور الملاعب قد صار جزءاً من الأزمة.. فيما كان يتوجّب أن يكون جزءاً من الحلّ.
وربما كان.. بسبب رغبة البعض فى أن يظهر بمظهر «المشجع العصرى.. والعالمى» كنوعٍ من «البرستيج» وتعزيز المكانة بين أقرانه.
وربما كان.. بسبب سطوة وانتشار قنوات قطر الرياضية.. ورضوخ «المقاهى» و«القهاوى» معاً لنفوذها الواسع. وربما كان.. بسبب سطوة العولمة.. وقوة ضغوط الكرة الأجنبية.. ونجاح العديد من الأندية فى أن تجعل من نفسها أكثر من مجرد نادٍ.. ورمزاً لعصرٍ وحياة. وأذكر أننى حين زرتُ إسبانيا.. وزرتُ نادى ريال مدريد ثم نادى برشلونة.. قد ذهلتُ من حجم الصناعة الرياضية.. والسياحة الرياضية فى المدينتيْن الكبيرتيْن.
(5)
إن «عولمة الرياضة» غير «عالمية الرياضة».. ذلك أن «عالميّة الرياضة» هى تاريخية.. ومنذ تأسست كأس العالم. ولكن «العولمة الرياضية».. بمعنى تلاشى المنتجات المحلية أمام المنتجات العالمية.. هى ظاهرة أحدث بكثير من «عالمية الرياضة».
من الضرورى القول.. إننا لسنا وحدنا فى مواجهة تحديات العولمة الرياضية.. ولكن الاستسلام لها من شأنه أن يطيح بالرياضة الوطنية.. وبالمدرسة الكروية المصرية التى طالما أبهجتْ بلادنا ومحيطنا.. وقادتْ قارتنا على خريطة الرياضة العالمية.
تحتاج مصر إلى «مؤتمر قومى للرياضة».. وإلى بحثٍ علمىٍّ رصين.. من أجل الإجابة عن سؤال: كيف نواجه تهديد «العولمة الرياضية»؟.. وكيف لا يصبح الانقسام الرياضى بين المصريين.. هو التوزّع بين برشلونة وريال مدريد؟
حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر.
*نقلاً عن "الوطن" المصرية