الأوامر الملكية التي صدرت يوم أمس، استكمالٌ لمسيرة التنمية والتطوير التي بدأها الملك سلمان منذ توليه مقاليد الحكم قبل عام ونصف، ومتوافقة مع متطلبات المرحلة التي تقتضي التغيير وبناء الإنسان والمجتمع على أسس من الشراكة، وتحمّل المسؤولية، والتجديد في الممارسة، والوعي بحجم التحديات، والانسجام في كل ذلك مع رؤية المملكة الطموحة 2030، بما تتفرد به من إمكانات اقتصادية واستثمارية، وموقع جغرافي هام على خارطة العالم، وخدمة الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث لا ينافس المملكة أحد في هذه المحاور الثلاثة، وهو ما يعني بناء رؤية على استراتيجيات واضحة، وثابتة، وراسخة في التعاطي مع مرحلة ما بعد النفط، والتقدم إلى المكان اللائق بالمملكة كعضو في مجموعة العشرين، والتأثير في صناعة القرار العالمي.
عملية الإصلاح التي ينتهجها الملك سلمان لا ترتبط فقط بتغيير المسميات والأشخاص، وإنما البقاء على استراتيجية التطوير والتحديث والتحول للمجتمع، مع تغيير السياسات ذات العلاقة بتوجهات تلك الاستراتيجية، وما يُبنى على هذه السياسات من أهداف محددة تمنع التداخل في الصلاحيات، وتساعد على سرعة اتخاذ القرار، والحد من البيروقراطية، وتحقيق الشفافية، ومكافحة الفساد، والعدالة والتنمية الاجتماعية، وهي مكونات أساس للحكم الرشيد الذي ينشد الإصلاح الحقيقي في أسرع وقت، حيث لا مجال للتأخير أو التردد أو الخوف والتحوط من التغيير، وإنما المجال متاح لصناعة الفرص التي تدور عليها حركة الاقتصاد الكلي وليس الجزئي، من خلال تنويع مصادر الدخل بموارد وعوائد مجزية للدولة، وتوجيه عمل المؤسسات نحو الإنتاجية بدلاً من الاستهلاك، وتعزيز كفاءة الإنفاق بدلاً من الهدر المالي، وتشكيل الوعي المجتمعي للخلاص من ثقافة الرعوية إلى التنمية والبناء، وصناعة الذات وتأهيلها بالعمل الحر بدلاً عن انتظار الوظيفة.
الملك سلمان ينقل مجتمعه اليوم إلى مرحلة جديدة مختلفة عن سابقاتها، حيث استطاع أن يرسم رؤية طموحة للوطن عنوانها الأبرز هو التغيير، وهذه المفردة بحد ذاتها تبتلع في سياقاتها المتعددة الكثير من السلبيات والأخطاء وحتى التقصير التي كانت عليها السلطة التنفيذية، وتفتح صفحة جديدة مع الوطن والمواطن في مهمة تاريخية، ونقلة استثنائية، وبرنامج عمل طموح، وإدارة مركزية قادرة على تحديد المسؤوليات وتوضيحها، وتسهيل الإجراءات لتوفير أفضل الخدمات، وهذه الرؤية بحد ذاتها كافية لإحداث التغيير، ولكن الملك سلمان أراد مع هذا التغيير (بناء الثقة)، و(التنمية المستدامة)، و(التفاؤل بالمستقبل)، فالثقة في رجالات الدولة الذين وقع عليهم الاختيار هو تكليف لمسؤولية تطبيق الرؤية وليس الخروج عنها أو التأخير في تنفيذها، وثقة في الوطن بإمكاناته وثرواته وموارده لتحقيق التوازن بين ما قبل النفط وما بعده، وثقة في المواطن الذي أثبتت المواقف والتحديات أنه يستحق الكثير من العمل لتحقيق تطلعاته وطموحاته، ورؤية وطنه في أفضل حال، وهو حجر الزاوية الذي تعمل الدولة من أجله، وتسعى إليه، وتتحمل في سبيله الكثير.
هذا المواطن في نظر الملك سلمان هو أساس التنمية الذي يعوّل عليه في مشروع النهضة الجديد، وهو القادر على تحويل الرؤى والأفكار إلى واقع، وهو الإنسان الذي يرى في وطنه ووحدته وقيادته وأمنه واستقراره خطوطاً لا تقبل المساس، أو المزايدة، أو حتى الابتزاز الرخيص، ولهذا يراهن الملك سلمان كثيراً على المواطن، ويرى فيه الحصن الحصين لمنجز عبدالعزيز الوحدوي، والإنسان الواعي أمام التحديات والتهديدات التي تمرّ بها المملكة والمنطقة، ولهذا تكون التنمية في بناء الإنسان وتحصين فكره وتعميق رؤيته وتشكيل وعية سابقة للبناء المادي للوطن، وتعزيز دوره العربي والإسلامي، حيث تكون التنمية في مهمة التحضير للمستقبل، والتفاؤل به، وهي معادلة يجب تحقيقها بلا تأزيم، أو إحباط، حيث لا مجال سوى التفاؤل من أن القادم أفضل؛ لأننا باختصار أردنا التغيير والإصلاح الحقيقي بمشاركة الجميع، ولن نعود إلى الوراء، ولن نقبل أن نتأخر عن المكان الذي يليق بنا مهما كانت التحديات.
وعلى هذا الأساس كان إلغاء ودمج وترتيب اختصاصات العديد من الوزارات والأجهزة والهيئات العامة والمصالح الحكومية هو أحد أهداف التغيير الذي يرتقي بنا إلى ما يليق، خاصة وأن التغيير كان برؤية اقتصادية أكثر منها مجتمعية، والفارق بينهما أن الرؤية الاقتصادية في التغيير تركّز على تحويل مؤسسات الدولة إلى قطاعات إنتاجية تعزز من الفرص الاستثمارية التي لم يحسن استغلالها، وتوفّر مورداً مهماً في الدخل الوطني، وترتقي بجودة الخدمات المقدمة، والمنافسة على تقديم الأفضل، بينما الرؤية المجتمعية تكتفي بالتغيير لإحداث الفارق بلا عوائد ولا صناعة حقيقية للفرص المتاحة، ومن هنا كان التغيير بهذه الرؤية هو لاستعجال الاستغناء عن النفط قبل حلول العام 2020، وهي مدة قليلة، ولكنها اختبار حقيقي لمرحلة ما بعد النفط، ومدى قدرة السلطة التنفيذية على الوفاء بالتزاماتها تجاه تطبيق هذه الرؤية، وتقييم مخرجاتها، حيث لا يمكن أن نصنع التغيير وفق رؤية اقتصادية إلاّ بهذه الطريقة التي نتحزّم فيها جميعاً تحت مظلة كفاءة الإنفاق مع صناعة الفرص وقت الأزمات، وترتيب الميزانيات، والموارد، ومكافحة الفساد، وحوكمة الإجراءات، والرقابة بنوعيها الأداء والالتزام، وهي سنوات محدودة لكنها ستغيّر فينا الكثير.. والكثير؛ لأننا لم نعد نعتمد على مصدر واحد في مواردنا وإنما تعددت المداخيل وتنوعت وأصبحنا قادرين على الوقوف من جديد أمام التحديات الاقتصادية من دون النظر أو التفكير أو حتى الارتهان إلى أسعار النفط وتقلباته وسياساته ومزايداته في الأسواق العالمية، واستطعنا أيضاً أن نبني إنساناً مشاركاً في التنمية وليس مستهلكاً لها، أو متردداً في حجز موقعه مبكراً من بين الفرص التي ستتاح له في السوق السعودي الجديد.
اللافت في القرارات الملكية يوم أمس هو في تعيين عدد من المستشارين بما يسند عمل السلطة التنفيذية، والتمهيد لكثير من قراراتها، ومراقبة وتدوين وتحرير محاضر التغيير وفق الرؤية الجديدة، والمشاركة في الاجتماعات واللجان التي تراجع وتدقق وتقترح، حيث كان تعيين عدد كبير من المستشارين في الديوان الملكي، ومثل ذلك في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، هو تأكيد على تفعيل دورهم في تعزيز مسيرة الإصلاح، والدفع بمنظومة العمل إلى أفق مختلف، ومنح المستشار قيمته ومكانته، وحفظ دوره ومشاركته، وهي مهمة لا تقل أبداً عن مهام الموجودين في واجهة الحكومة.
وأمام هذه القرارات والأوامر الملكية نجد أنفسنا كمواطنين أمام رؤية لا يمكن أن تحقق التغيير ما لم نتغيّر معها، ونستجيب لها، ونتحمّل كثيراً في سبيل الوصول إليها، وأمام تحولات تاريخية واقتصادية لوطن لا يمكن أن يتنازل عن ثوابته وفي الوقت نفسه لن يتراجع عن مكانته، وهي معادلة تعني باختصار أننا متفائلون.
*نقلا عن "الرياض"