جدّد راشد الغنوشي، رئيس حركة "النهضة"، في تصريح إعلامي له الثلاثاء، بعد لقاء مع الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، دعم حركته لمبادرة تكوين حكومة الوحدة الوطنية.
وقال "إنها الحل" وتابع "الكفيل بدفع أوضاع البلاد نحو الأفضل بفضل تضافر جهود الجميع"، وأكد على "انخراط الحركة الكامل في المشاورات الحالية بين الأطراف السياسية والاجتماعية للتوصل للبرنامج الأمثل لأولويات المرحلة وهيكلة الحكومة القادمة".
يذكر أن خبر إعلان الرئيس الباجي قائد السبسي، قد مثل "صدمة" قوية للنهضة، ولرئيسها # راشد_الغنوشي، من السبسي الذي كانوا يعتقدون أنه "الحليف" أو "الشريك" الرئيسي لهم في الحكم.
واعتبر قادة النهضة،، عدم استشارتهم بصفة مسبقة، خصوصا وأن قائد السبسي استقبل الغنوشي، قبل يوم من الإعلان عن مبادرته، بمثابة رسالة سلبية، قد تكون مؤشرا لتطور في العلاقة بين الشيخين.
كما غذت مبادرة السبسي مخاوف داخل الحركة، بأن هناك شيئا ما يطبخ في علاقة بمستقبل "التوافق السياسي" بين "الشيخين" ( #قائد_السبسي وراشد الغنوشي) من جهة، وبين الإسلاميين وبقية مكونات المشهد الحزبي من جهة أخرى، هذا التوافق الذي ترجم من خلال الائتلاف الحكومي، الذي تشكل بعد انتخابات 2014.
وبرز عنصري "الصدمة" و "الريبة"، من خلال ردود الأفعال الأولى للقيادات النهضوية على المبادرة الرئاسية، وهو ما عبر عنه رئيس الحركة راشد الغنوشي، في حوار مع قناة "نسمة"، إذ أكد على أمرين مهمين، كشفا عن وجود ردة فعل انفعالية، وهما:
1/ اعتبار الغنوشي، أن الجميع ليسوا متساوين في الفشل، على اعتبار وأن وزنه حزبه في الحكومة، لا يجعله مسؤولا بنفس الدرجة على الفشل الذي أشار اليه السبسي في تشخيصه، فقد لمح الرئيس قائد السبسي، الى أن حكومة الصيد قد فشلت، وهو فشل قطعا لا يتحمل وزره رئيسها فقط، و إنما الائتلاف الحكومي الرباعي، والنهضة جزء منه.
واختار الغنوشي التبرؤ من الفشل، في تناقض واضح مع تصريحاته السابقة بأن حزبه شريك كامل في الحكم، أيا كانت تمثيليته في الحكومة. بالمناسبة، نشير الى أنه وعلى ما هو رائج فان تمثيلية حزب حركة "النهضة" في حكومة الصيد، ليست بحقيبة وزارية واحدة (زياد العذاري في وزارة التكوين المهني)، بل أنها على الأقل ممثلة بأربعة حقائب وزارية (نجم الدين الحمروني والراجحي، يشغلون خطة وزراء في ديوان رئيس الحكومة، إضافة إلى منجي مرزوق في وزارة الطاقة، وزير سابق في حكومتي الترويكا الأولى والثانية).
2/ الأمر الثاني، تمثل في استباق الغنوشي، كل حوار حول برنامج الحكومة المقترحة ومنهجية عملها وهيكلتها، ليعلن على ضرورة أن تكون "حكومة الوحدة الوطنية"، ترجمة لتمثيلية وحجم الأحزاب في البرلمان، بمعني أن "النهضة" تطالب بحصة مجزية لها، تراعي وزنها السياسي وتحديدا البرلماني، وهي التي أصبحت الكتلة الأولى في البرلمان، بعد تفكك وانقسام كتلة "نداء تونس".
ولعل التسرع بطلب "حصة" أو "كوتا"، فيه دون شك تعبير عن ردة فعل انفعالية، على المبادرة فضلا عن كونه عبر عن رفض لإقالة الحكومة الحالية، الذي برز لاحقا من خلال التأكيد على التمسك برئيسها #الحبيب_الصيد .
على خلاف بقية أحزاب الائتلاف الحاكم، التي دعت صراحة الصيد الى تقديم استقالته، واعتبرت أن المبادرة رفعت الغطاء السياسي عن حكومة الصيد، وهو موقف تبناه بقوة "نداء تونس" والتحق به الشريك الآخر في الحكم "الاتحاد الوطني الحر"، في حين لم يبد الشريك الثالث حزب "أفاق" تمسكا برئيس الحكومة، وهنا نشير الى أن رئيس "أفاق"، كان قد أكد في مناسبات عديدة، انتقاده للحكومة ولرئيسها، اضافة الى أنه أظهر "تمردا" صريحا على ساكن القصبة (قصر الحكومة)، من خلال تصويت بعض نوابه ضد قانون البنوك، الذي كاد يسقط حكومة الصيد في البرلمان.
بعد "الصدمة"، اختار الغنوشي ورفاقه مرة أخرى، الخضوع لـ "اكراهات الواقع"، من خلال تبني موقف داعم لمبادرة الرئيس السبسي، لكن دون مغادرة دائرة "التحفظ"، التي برزت من خلال "المناورة" بهدف تحسين شروط التفاوض، وذلك عبر الاستفادة أكثر ما يمكن من قرار رئيس الحكومة الحبيب الصيد، عدم الاستقالة وترك مصير حكومته بيد البرلمان. وهو ما سيعيد "المبادرة" ومصيرها بيد النهضة، التي تمتلك كتلة برلمانية يمكن أن تكون "معطلة"، في حالة تمسك الحبيب الصيد بعدم الاستقالة، ما يعني ضرورة اللجوء الى سحب الثقة منه من البرلمان.
لا يخفى في هذا السياق، أن حركة "النهضة"، تدعم بقوة الحبيب الصيد، من ذلك أن راشد الغنوشي، اقترح في اللقاء الأول الذي جمع الرئيس السبسي بقادة الائتلاف ورئيس اتحاد الشغل ورئيسة منظمة الأعراف، الذي خصصه الرئيس لتقديم مبادرته، اقترح عليه رئيس النهضة، إجراء تعديل حكومي واسع، والابقاء على رئاسة الحبيب الصيد للحكومة.
وهو ما رفضه بشدة قائد السبسي، الذي يبدو أنه يريد ومن خلال مبادرته، إعادة التوازن داخل الحكومة، وفي مؤسسات الحكم (البرلمان) وأيضا في المشهد السياسي، وهو ما التقطته قيادات #النهضة ، وعبرت عنه في تصريحاتها، التي رفعت فيها من سقف مطالبها (المطابة بتمثيلية في الحكومة في مستوى حجمها في البرلمان) بغاية تحسين شروط التفاوض، وعدم ترك كل ورقات تشكيل المشهد القادم بيد الرئيس قائد السبسي، من خلال تذكيره بضرورة عدم القفز على نتائج الانتخابات، وأن النظام السياسي مثلما نص عليه الدستور، لا يخول له التعاطي كما لو أنه رئيس بنفس صلاحيات الحبيب بورقيبة أو زين العابدين بن علي.
كشفت مبادرة حكومة الوحدة الوطنية، على أن نتائج الانتخابات التشريعية، هي التي حكمت ولا تزال تحكم المشهد السياسي، خاصة في ما يتصل بالتحالفات، وتحديدا طبيعة العلاقة بين الاسلاميين وبقية مكونات الخارطة الحزبية، فكلا من "الشيخين"، على بينة من أن حالة "التعايش" وليس "الشراكة" أو "التحالف"، التي تجمع بينهما ليست استراتيجية، بقدر ما هي ظرفية وأملتها بدرجة أولي نتائج الانتخابات، التي أعطت حركة "النهضة" ثلثي مقاعد البرلمان.
كما أملتها أيضا طبيعة المرحلة التي تتسم باستقرار هش، ولا تحتمل صراع بين الإسلاميين وخصومهم، وزادت أزمة "نداء تونس" وتشظي هذا الحزب وكتلته البرلمانية، في إضعاف الرئيس قائد السبسي، وجعل هامش المناورة محدودا لديه، فاستعاض عنه برصيده الرمزي والمعنوي.
هذا الوضع المؤسساتي والقانوني، تدركه جيدا حركة "النهضة"، وتعتبره عنصر أساسي في بقائها في المشهد وفي الحكم، وهي التي خططت له زمن هيمنتها على المجلس الوطني التأسيسي، من خلال فرض نظام سياسي غير مركزي (رئاسي)، وقانون انتخابي لا يعطي الأغلبية المطلقة لأي حزب، ما يفرض حتما اللجوء للاسلاميين وعدم تجاوزهم. وبهذا تكون "النهضة" قد أمنت حضورها ووجودها قانونيا ودستوريا، وان كان بنظام سياسي يعمق حالة عدم الاستقرار، عبر توزيع السلطة والقرار بين الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية.
برغم سعي النهضويين، الى التأكيد على أنهم يريدون الاندماج في النظام السياسي، تحت سقف الدولة الوطنية، فان هذا لم يمنع من استمرار وجود أزمة عدم ثقة، بينهم وبين في بقية النخب السياسية، وذلك عبر تواصل الخوف من وجود تيار قوي داخل هذه النخبة، يري الإسلاميين أنه يخطط لإقصائهم وحتى إعادتهم للسجون.
هذا ما عبر عنه قيادي من "النهضة"، في تصريح اعلامي، الثلاثاء، بقوله أن "السبسي الذي كرر مراراً وتكراراً أنه ليس في حلف مع النهضة، وأن نتائج الانتخابات هي التي فرضت ذلك، يرغب في قرارة نفسه في تشكيل تحالف لا تكون النهضة أحد أطرافه، وأنه لو كان يثق في بقية المكونات السياسية، لأبعد النهضة منذ فترة طويلة. ولكنه اختبر مدى وفاء الغنوشي لالتزاماته، رغم ما يلاقيه من معارضة داخلية متصاعدة، تحديداً بعد مؤتمر الحركة في ماي الماضي".
سيكون حزب "النهضة" الإسلامي، أكثر المتضررين من رحيل الصيد، فالغنوشي عبر في أكثر من مناسبة عن تمسكه بالحكومة الحالية، وخاصة برئيسها الحبيب الصيد. ما يجعل المتابعين يتساءلون عن مصير "التعايش" أو "التوافق" السياسي، بين الإسلاميين وبقية مكونات المشهد الحزبي في تونس؟ وهل أن الرئيس قائد السبسي استجاب لدعوات ما يسمي بـ "الأحزاب العصرية" في بناء تحالف سياسي جديد في مواجهة الإسلاميين؟ وهل أن مبادرة حكومة الوحدة الوطنية فيها "تقليم لأظافر الإسلاميين" بعد مؤتمرهم الاستعراضي الذي أخاف خصومهم؟.