يعد من التسرع جداً، الحكم على أداء حكومة يوسف الشاهد وتحديداً رئيسها، بعد أسبوعين من مباشرتها لعملها، غير أن هذا لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات، التي نقدر أنها مهمة وضرورية، فهي ستساعد على الكشف عن منهجية عمل الرجل، من حيث طريقة إدارته وتعاطيه مع الشأن الجاري، وأيضا السياسات التي ينوي اتباعها، والأهم قدرته على تجسير فجوة "أزمة الثقة"، التي تراكمت خلال السنوات الخمسة الأخيرة، بين التونسيين وحكامهم والتي كشفت عن وجود "مأزق اتصالي" بين الطرفين، جعلت دور الحكومات يقتصر على إدارة الأزمات فقط، دون وضع "خارطة طريق"، تخرج البلاد من أزمتها وتضعها على طريق المستقبل.
الملاحظة البارزة، أن رئيس الحكومة، اختار خلال الأسبوعين الأولين له في القصبة، الركون الى "الصمت الاتصالي" و"الاعتكاف" (باستثناء التنقل للقصرين بعد حادثة خمودة) في مكتبه بقصر الحكومة بالقصبة، برغم تعدد مظاهر الاحتجاج الاجتماعي من الشمال (فرنانة) إلى الجنوب (بن قردان). وهو خيار يبدو أنه على "بينة" و"مفكر فيه"، وليس هروبا من مواجهة الوضع أو تأجيل موعد مواجهته، وبرز ذلك من خلال الأنشطة المكثفة لساكن القصبة، التي علمنا أنها سوف تشفع بالإعلان عن سياسات وقرارات هامة، لن تتجاوز نهاية الشهر الجاري، مثلما أكدت لنا مصادر مقربة من مطبخ صناعة القرار الحكومي.
اختار الشاهد أن يبدأ فترة حكمه بمصارحة التونسيين، وهو ما أكد عليه في بيانه أمام البرلمان بمناسبة نيل ثقة حكومته، المصارحة بحقيقة الوضع الذي وجد عليه البلاد، خاصة في بعده الاقتصادي، ووضعه الشعب أمام مسؤولياته. وحذر التونسيين، بكل عفوية وصدق وأيضا بكل "شجاعة"، من إمكانية الانزلاق نحو سياسة "التقشف"، لو استمرت الأوضاع مثلما هي عليه، من حيث تعطل الإنتاج وتراجع قيمة العمل فضلا عن الاستمرار "الممنهج" في "استضعاف" الدولة. وهو ما يفسر تنامي مظاهر وسلوكيات غير مألوفة في مجتمعنا، لعل أبرزها شيوع الفساد، الذي أصبح يهدد بتحويل تونس، إلى "دولة مافيوزية"، مثلما صرح بذلك العميد شوقي الطبيب، رئيس الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد.
خطاب الشاهد الافتتاحي في البرلمان، قطع (بشهادة العارفين) مع "العجز الاتصالي"، الذي عرفت به حكومات ما بعد الثورة، تكلم الرجل بلغة وبمفردات بسيطة وقريبة من فهم التونسي، بعيدة كل البعد عن "اللغة الخشبية"، المعتادة في الخطاب السياسي الرسمي. وهي خطوة "اتصالية موفقة" يمكن البناء عليها (لو استمرت وصقلت أكثر) للمساعدة على تجسير الفجوة بين الحاكم والمحكوم على اعتبار وأن رفع حاجز "أزمة الثقة" بين "القصبة" و"المجتمع" (خاصة في الجهات الداخلية) يعد أبرز خطوة، يمكن أن تساعد على التقليل من حالة الاحتقان الاجتماعي، التي لا يمكن أن تستمر، لأن في استمرارها تهديدا للاستقرار الاجتماعي والسياسي. في المستوى الاجتماعي، فإن الأوضاع العامة المتحركة، كانت تفرض على رئيس الحكومة حضورا ميدانيا أكثر، من الذي ظهر عليه خلال فترة الأسبوعين، التي قضاهما في القصبة، على اعتبار وأنه لا يمكن ترك الاحتجاجات هنا أو هناك تتحول الى "بؤر توتر"، يصعب التعاطي معها في المستقبل، وهنا نشير الى أنه كان على الحكومة، التدخل الفوري في أحداث مدينة فرنانة، التي يعد كل تأخير في معالجتها بمثابة لعب بالنار.
لكن في المقابل، نجد أن الشاهد اختار (في هذه المرحلة) انتهاج "سياسة الحوار" (لقاءات مكثفة مع الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين) سواء في التعاطي مع الأوضاع التي ورثها، أو مع "الألغام المفخخة" التي واجهت حكومته منذ يومها الأول. في هذا الإطار يحسب له التوفق في حل "أم المعارك" أو "أم الأزمات"، التي أربكت الوضع الاجتماعي والاقتصادي في تونس خلال سنوات ما بعد الثورة، نعني هنا بالتأكيد "أزمة الحوض المنجمي"، عبر عودة النشاط الإنتاجي للفوسفات لوضعه الطبيعي.
يحسب للشاهد، الذي اختار الحوار عبر المصارحة والمكاشفة، وبالتالي تحميل المسؤوليات، بضرورة "الوقوف لتونس"، يحسب له ترويض كل الفاعلين أو المتدخلين في إدارة الوضع والتأثير عليه في الحوض المنجمي، خاصة الطرف النقابي، الممثل بقوة في حكومة الوحدة الوطنية، التي يرأسها يوسف الشاهد. ففي خطوة غير مسبوقة، طالب الاتحاد الجهوي للشغل بقفصة في بيان له، المحتجين والمعتصمين المعطلين لإنتاج ونقل الفسفاط بالكف عن كل تحرك يشل نشاط شركة فسفاط قفصة وكافة المرافق الاقتصادية الأخرى بالجهة حتى تشرع الحكومة في مباشرة تحقيق الإنجازات التنموية الموعودة والبدء في فض المشاكل الاجتماعية المزمنة بالجهة.
كما دعا الاتحاد المحتجين إلى التعقل رغم شرعية المطالب المرفوعة مراعاة لمصلحة الجهة وحرصا على توفير مناخ اجتماعي يساعد على تنفيذ المشاريع وخلق ظروف العمل الملائمة لتحقيقها ومساعدة شركة فسفاط قفصة على تدارك نسبة من النقص الحاد للإنتاج. ونبه الاتحاد الجهوي للشغل، للخطر المحدق بشركة قفصة وبالجهة عموما لو تواصل الوضع على ما هو عليه. وأشار الاتحاد الجهوي إلى أن سباب التوترات الاجتماعية بالجهة مردها تغاضي السلطة طيلة عقود عن حق الجهة في التنمية الشاملة وحرمانها من تحقيق العيش الكريم لسكانها، إضافة إلى تكرار الوعود الزائفة وسياسات التسويف من طرف الحكومات السابقة واللاحقة للثورة وتقاعسها من تحقيق المشاريع التنموية التي تنهض بالجهة.
يعتبر المراقبون للمشهد التونسي، أن حكومة الشاهد، ستكون بمثابة "الفرصة الأخيرة"، لإنقاذ الوضع الصعب، والمرور لوضع الإصلاحات اللازمة، وبالتالي القطيعة مع النهج السياسي للحكومات التي سبقتها، والتي اقتصرت على "إدارة الأزمة" لا غير. ومع ذلك فلا يجب أن نسقط في التهويل، الذي قد يراد منه الانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي. ولعل دراسة كثير من تجارب التحول الديمقراطي في العالم تشير إلى أنه من الطبيعي أن تكثر الأزمات. فما يمكن أن يعد "مشكلة عامة" في الأزمان الطبيعية، يصبح "أزمة سياسية ووطنية" في أوقات التحول. خاصة وإذا كان التحول "متعدد المستويات" في الداخل، ويواكب تحولات إقليمية وكونية في الخارج،. وهذا هو حال تونس اليوم.
يتطلع التونسيون، إلى أن تكون حكومة الشاهد، التي تحظى بقاعدة سياسية واجتماعية واسعة، وفي تناغم كبير مع مؤسسة رئاسة الجمهورية، قادرة على إعادة وضع قطار تونس على سكته، خصوصا وأن أولوياتها محل إجماع وطني واسع، حددتها ما يعرف ب "وثيقة قرطاج"، وهي أولويات تتمثل في:
*كسب الحرب على الإرهاب
* تسريع نسق النمو لتحقيق أهداف التنمية
* مقاومة الفساد وإرساء مقومات الحكومة الرشيدة
* التحكم في التوازنات المالية ومواصلة تنفيذ سياسات اجتماعية ناجعة
* إرساء سياسة خاصة بالمدن والجماعات المحلية
* دعم نجاعة العمل الحكومي واستكمال تركيز المؤسسات
في ذات السياق، أكدت تقارير إعلامية متطابقة "أن رئيس الحكومة يعكف على صياغة رؤية واضحة لعمل الحكومة على مدى الـ3 سنوات القادمة، مع فرق شابة من الإدارة التونسية، وسيتم عرض هذه الرؤية في بداية شهر أكتوبر القادم، كما سيتم تفكيكها إلى خطط عمل استراتيجية".
وهو ما يعني أن الحكومة، ستشرع بداية من شهر أكتوبر القادم في تنفيذ برنامجها، كما ستعرض على البرلمان مشروع ميزانية الدولة وقانون المالية لسنة 2017، التي يتوقع أن تكون صعبة جدا في ظل تواصل انخرام التوازنات المالية، التي تستدعي القيام بإصلاحات عاجلة، فضلا عن القيام بتعبئة وطنية ودولية للإنقاذ، على طريقة "مشروع مارشال" خاص بتونس، وهو ما شرعت فيه قوى وشخصيات وطنية، سوف تنطلق قريبا في تنفيذ حملة دولية في هذا الاتجاه.