عندما توصل أعضاء "أوبك" إلى اتفاق لخفض إنتاج النفط في اجتماعهم بفيينا أواخر نوفمبر الماضي، وصف الاتفاق بأنه الأول منذ 2008. وبعدما أكد المنتجون المستقلون دخولهم كطرف في الالتزام أول أمس السبت، وذلك بالتعهد بخفض إنتاجهم بما يزيد عن نصف مليون برميل يومياً، ما جعل منه اتفاقاً مشتركاً، رُبطت المسألة بالعام 2001.
في أجواء اقتصادية قريبة الشبه بما يعيشه العالم اليوم من ركود وانكماش، ألقت الأزمة الاقتصادية في أواخر التسعينيات بظلالها على الجميع، وسحبت أسعار النفط إلى قاع سحيق بدفع من ضعف الطلب وضخامة التخمة.
حينها كانت "أوبك" لا تزال بيضة قبان الأسواق، ضمن ما يعرف بسياسة "إدارة السوق" التي انتهجتها المنظمة لسنوات، حيث قررت دولها إجراء جولات عدة من التخفيضات في إنتاجها تخلت بموجبها عن حصة سوقية جيدة لصالح منافسيها.
لكن بداية موجة الهبوط الكبير في أسعار النفط التي فقدت 18% في 2001 ونزلت إلى أقل من 20 دولاراً للبرميل في فبراير من العام نفسه، مع استمرار ضعف الطلب العالمي، دفعت المنظمة إلى التفكير في ضرورة السعي إلى اتفاق أوسع يشمل المنتجين المستقلين أيضاً على رأسهم روسيا، ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم بعد المملكة السعودية، إلى جانب كل من النرويج والمكسيك وعُمان وأنغولا.
في أواخر ديسمبر 2001، توصلت "أوبك" خلال اجتماع في القاهرة إلى اتفاق بتقليص إنتاج أعضائها بواقع 1.5 مليون برميل يومياً، لمدة 6 أشهر، بدءاً من 1 يناير 2002، في محاولة لدعم الأسعار ودفعها نحو الارتفاع مجدداً.
وكما حدث في فيينا قبل أيام، تعهد منتجو النفط من خارج "أوبك" أيضاً على هامش اجتماع القاهرة 2001 بخفض إنتاجهم، وذلك بواقع 462.5 ألف برميل يومياً.
والتزمت النرويج ثالث أكبر مصدر للنفط في العالم آنذاك بخفض 200 ألف برميل يومياً من إنتاجها، فيما قالت المكسيك إنها ستقلص 100 ألف برميل من النفط.
أما روسيا، فبعد أن فاجأت "أوبك" بعرض متواضع قبل التوصل لاتفاق 2001، حين قالت إنها لن تقلص سوى 50 ألف برميل يومياً من إنتاجها البالغ حينها أكثر من 7 ملايين برميل، عادت ورفعت السقف بتعهدها بتقليص 150 ألف برميل يومياً خلال الربع الأول من 2002.
لكن روسيا لم تلتزم بالاتفاق وبتعهداتها، حيث لم تجرِ سوى تخفيضات قصيرة الأمد وبسيطة في الإنتاج بحسب ما أوضحته بيانات وكالة الطاقة الدولية، ما أدى إلى إفشال الاتفاق وعودة الإنتاج العالمي إلى دائرة الارتفاع وزيادة التخمة.
عقدان من الفشل
على الرغم من أن إعادة التوازن إلى أسواق النفط أولوية للمنتجين جميعاً، على رأسهم روسيا التي إلى جانب تقلص المصدر الرئيسي لإيراداتها، يعيش اقتصادها تحت وطأة عقوبات غربية ثقيلة على خلفية تدخلها في الأزمة الأوكرانية، إلا أن تجارب منظمة "أوبك" السابقة مع روسيا خلقت نوعاً من الإرتياب لجهة التزامها بالاتفاق الأخير الذي تم التوصل إليه أخيراً في فيينا، بعد تنصلها من تعهداتها على مدى قرابة عقدين من الزمن.
ففي مارس 1998، قامت روسيا بخفض رمزي لإنتاجها بأكثر من 60 ألف برميل يومياً، في إطار اتفاق مع منتجين مستقلين آخرين و"أوبك" التي تعهدت وقتها بتقليص 2.6 مليون برميل يومياً بعدما اقتربت أسعار النفط من 10 دولارات. غير أن روسيا عكست الاتجاه وسارت نحو زيادة صادراتها خلال نفس العام بواقع 100 ألف برميل، أي أنها ضخت في السوق المتخمة أكثر مما خفضت من إنتاج.
وفي مارس 1999، هوت أسعار النفط إلى 10 دولارات للبرميل، فحشدت "أوبك" لاتفاق جديد يقضي بتقليص إنتاج أعضائها بمليوني برميل من النفط يومياً، مقابل 300 ألف برميل للمنتجين المستقلين، 100 ألف منها تعهدت بها روسيا. لكن موسكو عوض خفض الإنتاج هذه المرة رفعته بواقع 50 ألف برميل.
وبالعودة إلى آخر اتفاق داخلي في "أوبك" قبل حدث فيينا الأخير، كانت المنظمة قد أقرت تخفيضات متتالية في إنتاجها من جانب واحد، وذلك في الأشهر الأخيرة من 2008، حينما هبطت أسعار النفط إلى 40 دولاراً للبرميل مع نهاية العام على إثر موجة الركود التي خلفتها الأزمة المالية العالمية.
ومنذ فشل الاتفاق المشترك في 2001، لم تُستأنف المحادثات بين "أوبك" وروسيا حول إدارة أسواق النفط إلا في نوفمبر 2014، بعدما بدأت أسعار النفط في الانخفاض من مستويات مرتفعة فوق 100 دولار إلى 70 دولاراً للبرميل ابتداء من منتصف العام، لكن تلك المحادثات لم تسفر عن اتفاق فعلي لعدم اتخاذ خطوات جادة قد تفضي لإعادة التوازن إلى أسواق النفط.. فهل ينجو اتفاق فيينا 2016 هذه المرة؟