ظلت المياه راكدة في #القطاع_المصرفي_السعودي لما يقارب العقدين قبل أن تعود أخبار الاندماجات مع الاتفاق بين "ساب" و"الأول" لتشكيل ثالث أكبر كيان مصرفي في المملكة، بأصول تقارب قيمتها 287 مليار ريال.
هل هذه حالة خاصة أم أن اندماجات أخرى تلوح في الأفق؟
لعل أحد أسباب غياب #الاندماجات أن السعودية لا تعد من الدول المتشبعة مصرفيا، بل على العكس من ذلك، يعتبر عدد البنوك الوطنية فيها من الأقل عالميا نسبة لعدد السكان، بمعدل بنك لكل 2.7 مليون نسمة.
أضف إلى ذلك أن #البنوك_السعودية لطالما حظيت بمعدلات رسملة وربحية مرتفعة. فبحسب بيانات وكالة "موديز"، تعد معدلات الربحية في القطاع المصرفي السعودي الأعلى خليجيا، مع بارتفاع نسبة الأرباح الصافية إلى الأصول الملموسة إلى 2% العام الماضي، من 1.9% في 2016. كما أن معدل حقوق الملكية الملوسمة (TCE)، وهو أحد المعايير الأشهر لكفاية رأس المال، يقدر بنحو 17.8%. وعلى صعيد الرسملة، تتمتع البنوك السعودية بمعدل كفاية رأسمال فوق 20% وهو أعلى بكثير من الحد الأدنى المطلوب في معايير بازل – 3 عند 10%. هذا من حيث المبدأ يعني عدم وجود دافع للاندماج.
ومن الواضح أن اندماج "ساب" و"الأول" له دوافع خاصة لدى مساهمي البنكين. فمن جهة، هناك التقاطع في قاعدة المساهمين، إذ تمتلك مجموعة العليان 17% من أسهم "ساب" و22% من "الأول"، وكذلك فإن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تمتلك 9.5% من "ساب" و10.5% في "الأول". ومن البديهي أن من مصلحة هاتين الجهتين تكوين كيان أكبر يحقق لهما وفرا في التكاليف وعائدا أعلى على الاستثمار. لكن الأهم أن المساهمين الآخرين في المصرفين لهم مصلحة في الاندماج. ففي البنك الأول، كان مصرف RBS يتطلع إلى التخارج من حصته البالغة 40%، لأسباب تتعلق بتخفيف قاعدة الأصول الخارجية التي تفرض عليه متطلبات رأسمالية ثقيلة. ومع الاندماج، ستصبح حصته في الكيان الجديد أقل من 11%، وعندها سيكون بوسع RBS خفض حصته بسهولة دون العشرة في المئة، لتخفيف المتطلبات الرأسمالية المقابلة لها، أو التخارج من الحصة بالكامل. أما HSBC، الذي يملك 40% من "ساب"، فمن الواضح أن لديه استراتيجية للنمو في السوق السعودية، سواء في الصيرفة التجارية وخدمات الأفراد، أو في الأعمال المصرفية الاستثمارية من خلال "إتش إس بي سي العربية السعودية"، التي يملك 49% منها مقابل 51% لـ "ساب".
هذه الأسباب تبدو خاصة بمصرفي "ساب" والأول"، لكن ذلك لا يقلل من وجود عوامل عامة دعمت فكرة الاندماج، وربما هي التي تغذي شائعات متداولة في شأن اندماجات جديدة محتملة.
ويشير المطلعون في القطاع المصرفي السعودي إلى أسباب موضوعية عدّة قد تجعل الاندماجات والاستحواذات خيارا مطروحا في أروقة أكثر من بنك، لتكوين كيانات أكبر وأكثر قدرة على مواجهة التحديات المقبلة.
ولعل من الجدير الإشارة في هذا السياق إلى التأثيرات التي فرضها تطبيق المعيار المحاسبي الدولي IFRS 9 على كفاية رؤوس أموال بعض البنوك في المملكة، تبعا لحجم التأثير الذي فرضه على حقوق مساهمي تلك البنوك، والذي تجاوز ملياري ريال للبعض منها. ومع الأخذ في الاعتبار أن بعض البنوك الصغيرة أو المتوسطة الحجم نسبيا، تتراوح كفاية رؤوس أموالها بين 15% و17%، فمن غير المستبعد أن تحتاج بعض المصارف لزيادة رؤوس أموالها في الفترة المقبلة لتعزيز الملاءة.
بالإضافة إلى أن المعيار 9 سيتطلب من البنوك زيادة تكوين المخصصات والاحتياطيات بشكل كبير، خصوصا حين يتعلق الأمر بالبنوك الستة المصنفة من قبل "ساما" كبنوك "ذات أهمية للنظام المصرفي".
ومن جهة أخرى، تفرض معايير بازل – 3 على البنوك شروطا جديدة في ما يتعلق بإدارة المخاطر، منها مثلا وضع حد أقصى للتركز الائتماني على طرف واحد (single name concentration risk) عند 15%، بدلا من 25% سابقا. وهذا يجعل الكيانات الكبرى في موقع أفضل لمواجهة مثل هذه المتطلبات.
كل ذلك يجعل من المجدي البحث عن كيانات أكبر وذات مخاطر أقل تركزا. وإذا ما أضيفت إليها مستهدفات "رؤية 2030" بتشجيع وجود كيانات وطنية عملاقة تدخل في قوائم الشركات الكبرى عالميا في مختلف القطاعات، تكتمل الأسباب المشجعة على اندماجات أخرى، حتى وإن لم تكن القوائم المالية تشير إلى حاجة ملحة إليها.