ثريا قابل أول شاعرة سعودية تطرح ديوانا بالفصحى وكان ذلك عام 1963، هي صوت المرأة في القصيدة العاطفية المغناة ولها عدد من الروائع التي يحفظها ويرددها محبو الطرب عبر الأجيال، وكان لها حضور في الصحافة لا يخلو من المواقف، لها فلسفة ورؤية خاصة فيما تطرحه، وتملك مخزونا معرفيا يثير الاهتمام، كما أنها شاهدة ومعاصرة لفترة من أهم الفترات التي صعد بها نجما الأغنية السعودية طلال مداح ومحمد عبده، التقتها "العربية.نت" وأجرت معها الحوار التالي:
55 عاماً على صدور ديوانك الأول "وادي الأوزان الباكية" ألم يراودك الحنين لإصدار دواوين أخرى؟
يمكن.. بداياتي كانت فصحى وشعرت حينها بأنه لابد من أن أكتب شيئا يقربني من الناس، والقصائد الموجودة في الديوان تنوعت بين الوطنية والاجتماعية، وكانت في تلك الفترة قضايا مثل ثورة الجزائر والقومية ووحدة مصر، وكانت المواضيع الموجودة فيه أكبر من أن تتناولها امرأة، وتحديداً في السعودية، وهو كتيب صغير اكتفيت بطرحه.
وهذا جعل الكتاب والصحافيين يشعرون أن الصورة تبدو أكبر من البرواز إن جاز التعبير، ونحن عادة تعودنا أن دواوين الرجال في السعودية إما غزل أو تأمليات، والديوان سبب لغطا في تلك الفترة، وتوجهت للصحافة تحديداً في الأقسام النسائية في البلاد وعكاظ، وكتبت عن حق المرأة في التعليم والجامعات، وكذلك كتبت الأغنية التي جعلتني أقرب من الناس أكثر، كون القراءة كانت محصورة على الرجال بشكل عام، وعدد قليل من الفتيات اللواتي يقرأن ممن تلقين تعليمهن خارج المملكة، وكل ما أكتبه كان أكبر من أن تستوعبه تلك المرحلة.
هذا سبب اتهامك بالجرأة في الستينات؟
ليتهم وصفوني بالجرأة فقط، هذا هيّن "تضحك".. كان كل شيء يصير قالوا وراه ثريا قابل، لكن هذا يدل على أنني في تلك الفترة حركت الماء الراكد، تعرف أننا إذا أردنا أخذ محارة من البحر ما نقدر نأخذها إلا إذا كنا نعرف نغوص، فأنا حركت الساكن، وكلمتني وزارة الإعلام قبل فترة وطلبوا مني إعادة طباعته ليعرض في معرض الكتاب.
ما هي أول أغنياتك وفي أي عام كانت؟
كانت مع الفنان طلال مداح والملحن محمد شفيق رحمهما الله، وتحديداً لا أذكر في أي عام، لكن أذكر أنني أخذتها وسافرت إلى القاهرة بحكم عمل زوجي في السفارة هناك، وبثتها إذاعة صوت العرب والشرق الأوسط، كما كانت تبثها الإذاعة السعودية، وهي بعنوان "بشويش عاتبني بشويش".
كيف كانت ردود الفعل واستقبال الناس لأول عمل غنائي من كتابتك؟
كان هنالك شيء غريب، لما اشتغلت بالصحافة كانت عائلتي راضية وسعيدة، لكن حين عملت الأغنية تضيق الكبار في عائلتي من الموضوع، بينما تقبلها المجتمع كثيرا، إنه تناقض. وعرفت أن المجتمعات التي لا يكون فيها تناقض لا توجد فيها حياة.
ما قصة لقائك الأول بالراحل طلال مداح؟
كنا ساكنين على طريق المدينة، وكان جيراننا من العائلات المعروفة في البلد، ونلتقي ببعضنا ونتصاحب ونتصادق، وكل ليلة جلسة البنات عندي نجلس ونضحك ونلعب ونغني، قالوا لي لماذا لا تعملين أغنية؟ وقلت لم لا، و"كتبت بشويش عاتبني" وصلت من واحد إلى واحد لحين رجعت لي مغنّاة بصوت طلال على "سي دي"، وأعتقد أنه كان فيه دور للأمير بدر بن عبدالمحسن في ذلك، وقتها شعرت أن عالم الأغنية يجمع لي الناس، ولابد أن أهتم به، أما بالنسبة للقائي الأول بطلال فكان عن طريق فوزي محسون، فهو من عرفني به، لأن فوزي محسون يقرب امرأة اسمها "فتو نافعية" زوجة شخص اسمه أنور النويراتي، وهي صديقة شخصية لأختي الكبيرة، وكلمتني وطلبت مني المجيء، وعزمتني على الغداء، ذهبت وتغديت عندها، وجاء فوزي محسون وزوجته، الله يرحمها، وأعطيته أول أغنية "ينتظرك في قلبي الشوق" ولحنها، وأحضر لي طلال، وقال إن طلال يريد أن يسلم عليك، وهذه كانت بداية معرفتي، وصاروا يأخذون الكلمات مني ويلحنونها ويرجعون ليسمعوني إياها، وأحياناً يلحنونها عندي.
من كان السبب وراء شهرتك خارجيا؟
عتاب كانت السبب وراء معرفة الخليج بي عبر أغنية "حبيّب يا حبيّب"، وكانت من الأغاني التي انتشرت في الخليج والكويت تحديداً، ولما راحت مصر أخذت معها "جاني الأسمر"، وعندما غنتها تقبلها الناس هناك وحققت شعبية كبيرة، وبيع منها 4 ملايين شريط، وفي ذلك الزمان وصلت عالمياً، وأصحابي في الخارج كانوا يسمعوني فنانين يغنونها، وعبر هذه الأغنية كان خروج ثريا قابل من السعودية، بعدها أغنية "مزح ولعب" ومن بعدها أغان كثيرة.
لكن طلال مداح كان له دور مهم في مسيرتك.. أليس كذلك؟
ما في شك، طلال وفوزي محسون أصدقاء وجلست معهما كثيرا، ومن هنا صارت المسألة والتعاونات بيننا بكثرة، والأغنية السعودية تدين بالفضل لطلال، ولا أحد استطاع أن يغني من أغنيات طلال مداح وينجح سوى ذكرى، و هذا يدل على قدرة صوت طلال والعُرب (بضم العين) التي يقدمها وما يتمتع به من جمال.
بعد سنوات فوزي وطلال غنى لك كاظم الساهر وصابر الرباعي.. هل بحثتِ عن الظهور معهما؟
والله الفضل يرجع للملحن الكبير طلال الذي أخذ كلمات الأغاني وجهزها، وكل الأغاني الحديثة لي يعود الجهد فيها للموسيقار طلال الذي أعادني للأغنية، وأعطى للفنانين محمد عبده وكاظم وأحلام والرباعي، والحق أن له فضلا في هذه المسألة.
أين يكمن الاختلاف بين الوسط الفني في الأمس واليوم؟
سكتت قليلاً ثم ردت: "المادة.. يعني أتكلم عالمياً ومحلياً، والفرق بين الفن زمان واليوم عندنا أن الفنان كان عاشقا للفن، ويغني ويواجه مجتمعا غاضبا، ويكافح وينتصر لمحبيه، وهمه أن يوصل بفنه لأكبر قاعدة من الناس، وبالتالي يرضى بأي شيء، أما اليوم فيأتي فنان مبتدئ يريدك أن تنتج له الأغنية أو تبحث له عن شركة ووساطة لأحد ينتج له، إضافة إلى كم الفنانين كبير يجعل البضاعة موجودة عند كل الناس، وزمان تسمع في الـ"سي دي" أغنية أو اثنتين تسمعهما وتستمتع بها وتحفظها، واليوم يطرحون كما كبيرا من الأغنيات ومع عدد الفنانين أصبحت لا تستطيع اللحاق وما تدري تسمع إيه وتخلي إيه.
وبعض الأحيان يصادف وأنت في السيارة تفتح إذاعة الـ"FM" وتسمع بالصدفة.
هل سبق أن دفعتِ مالاً من أجل غناء كلماتك؟
أبداً نهائياً، وإذا تسألني اليوم عن الشاعر الذي يدفع للفنان أقول لك مضطر بحكم خبرتي في المجال هذا، وبحسب ما أسمع وإلا كيف الفنان يقدر يفتح بيت؟
كنا إذا جبنا فنانة زمان في سهرة ندفع لها، وطلال ومحمد عبده وفوزي وطارق عبدالحكيم وجميل محمود كانوا لا يتشرطون على أحد إلا إذا فيه فرح، لكن اليوم الوضع اختلف والمشكلة ما فيه وسائل للترويج والمبيعات، لذا لابد أن يأخذ الفنان.
ما رأيك في موجة الشيلات التي انتشرت في العامين الأخيرين؟
هي موجودة من زمان بس وسائل التواصل الحالية جعلت لها رواجا، وما في شك أنها خلت أي أحد يدلو بدلوه في هذا الباب، لكن الأشياء الشعبية ما ننكرها وإنها كانت تقتصر على الأفراح والمناسبات، والحين صارت "عمال على بطال"، ولها رواجها في نفس البيئة ولا تستطيع أن تخرج إلى مكان غير بيئتها، والفن الحقيقي ليس له وطن، والشيلات ستبقى في محيطها، والجانب السيئ فيها المناطقية والعنصرية، وحيثما وجدت البوادي والإبل والمزارع وجدت الشيلات، وهي تؤدي إلى العنصرية، وهذا ما لا يلزم حدوثه.
متى نراك في أمسية شعرية؟
زمان سويت أمسية في جمعية الثقافة والفنون، وعندما وجدت طلبات كثيرة على الحكاية دي بطّلت منها، أنا أرفض التكريم والأمسيات، لأن الباب كبير وما أقدر اليوم أفعل شيئا في جدة ثم أعتذر في الرياض، أو أقول لأهل المدينة آسفة، هذا الكلام ما يصير، وبالتالي أنا مقفلة أبواب من الأبواب المعاصرة لا أمسية شعرية ولا تكريم أو حتى مقابلة تلفزيونية، لأني ما أقدر ألبي رغبات المحبين كلهم، وهؤلاء أنا حريصة عليهم في كل مكان في بلدي، وما أقدر أفاضل بينهم، حبّوني وحبيتهم، ولا يصح أن أهدم هذه المحبة.
اللون الحجازي برحيل عدد من أعمدته اندثر اليوم في الأغنية السعودية.. أليس كذلك؟
لا أعتقد أنه اندثر بقدر ما تقاربت اللهجات اليوم، وصار فيه تداخل وصرنا مثل قطعة النسيج التي تحتوي على كل الألوان، تداخلت اللهجات في بعضها، وشكلت هذا النسيج الحلو، هذا التداخل بين البادية والمدن، والسعودية بالذات اليوم تسمع الأمير خالد الفيصل أو الأمير بدر بن عبدالمحسن أو الأمير عبدالرحمن بن مساعد أو إبراهيم خفاجي أو ثريا قابل، ما تحس أنه هناك فرق كبير في الكلمات، لأنها تداخلت في الأغاني وأصبحت الأذن تستوعب الكل والقلب يتلقاهم.
ماذا تتذكرين من المواقف في رحلتك الصحافية؟
أتذكر بداية دخولي للصحافة كان هناك واحد دائماً يكتب: النساء ناقصات عقل ودين في صحيفة "قريش" بمكة، وأنا استفزني هذا الكلام، وكتبت ردا عليه وحوارا دار بيني وبينه على مدار أسابيع، بعدها جاءني عرض من جريدة "البلاد" وشجعوني، لقيت عم عبدالله بن زقر والأصفهاني وحسن قزاز يقولوا لي لازم تكتبي في "البلاد"، قلت لهم لازم أسوي صفحة نسائية وسويت صفحة بعنوان "النصف الحلو"، والاسم جذب عددا من القراء، وعندما انتشر بدأ المعقدون يهاجمون الاسم، لأنهم أخذوها من ناحية حسية، وحملة كبيرة على الاسم، ورجعنا غيرناه إلى "الجنس العطوف" وحسيته اسم "ماصخ" وليس صحافياً، وغيرته إلى "النصف الآخر"، واللي ما عجبه "الحلو" منين جاي مو من "الحلاوة" نفسها.. "تضحك".
لك تصريح وإطراء على صوت محمد عبده وأن به رائحة الوطن!
بلا شك قلت "عندما أسمع صوت محمد عبده أشم رائحة تراب وطني" اليوم لازم كلنا نكرم محمد عبده، لأنه يحافظ على تراث أمة، وصوتنا المسموع في الدنيا بنظافة الأداء والإبداع اللحني، والنغمات الأصيلة حقتنا كلها في صوت محمد عبده، وهو كان من ضمن جيل العمالقة واليوم بات يتربع القمة وحده، وما في أحد بجنب محمد عبده، وفي بداياته عندما أتى استطاع أن يثبت نفسه بين مجموعة لهم وزنهم من طلال مداح إلى طارق عبدالحكيم وعبدالله محمد وجميل محمود.
ومحمد عبده من الجيل الذي عاش ازدواجية المجتمع بين القبول والرفض للأغنية، وتحمل ذلك الجيل الكثير، وكان صعبا عليهم الوضع ولكنهم كافحوا وعلى يدهم قدروا شعراء يوصلوا للناس ويوصلوا الأغنية.
ماذا تودين أن تقولي في الختام؟
أقول للفنانين الكبار لازم تأخذوا بأيدي الشباب الصغار، اليوم فيه جيل يبغى ينطلق ومحتاج لوقفة محمد عبده، لأنه يقدر على توجيههم ويأخذ بيدهم، واحنا لو مالقينا ناس أخذونا وشجعونا كان صعب أننا ننطلق، ودائماً لازم أحد يسندك من الكبار.