أواخر خمسينيات القرن الماضي، تصاعدت حدة التوتر بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي بشكل واضح، إثر جملة من الأحداث على الساحة الدولية، كانت أبرزها الثورة الكوبية. وبسبب ذلك أصبح السلام العالمي مهدداً، حيث تخوف الجميع من إمكانية اندلاع حرب عالمية ثالثة.
ولتخفيف حدة التوتر بين مختلف الأطراف، وافق قائد الاتحاد السوفيتي، نيكيتا خروتشوف، على عقد قمة تجمعه بممثلي كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بالعاصمة الفرنسية، باريس، في أيار/مايو 1960 لمناقشة مستوى الهجرة المتزايدة لسكان ألمانيا الشرقية نحو جارتها الغربية انطلاقاً من غرب برلين، الأمر الذي أثار غضب المسؤولين السوفيت، وأزمة صعود فيدل كاسترو ونجاحه في قلب نظام الحكم بكوبا، وظهور نظام شيوعي على بعد مئات الكيلومترات من الأراضي الأميركية.
فضلاً عن ذلك، اتجه كل من خروتشوف ونظيره الأميركي، دوايت أيزنهاور، لكبح جموح سباق التسلح النووي بين البلدين عن طريق إقرار معاهدة للحد من التجارب النووية وبدء صفحة جديدة، تقتضي البحث في سبل تحسين العلاقات ودعم مبدأ التعايش السلمي.
وفي الأول من أيار/مايو 1960، وقبل 13 يوماً فقط من قمة باريس المرتقبة، اهتز العالم على وقع نجاح الدفاعات السوفيتية في إسقاط طائرة تجسس أميركية من نوع يو- 2 على أراضيها عند منطقة سفاردلوفسك.
وفي تلك الفترة، عرف عن طائرة يو- 2 الأميركية أنها كانت مزودة بأحدث التكنولوجيا، ما خولها القيام بأصعب عمليات التجسس. إلا أنها ظلت لسنوات عديدة بعيدة عن مرمى الدفاعات السوفيتية بسبب قدرتها على التحليق على ارتفاع عال يبلغ 13 ميلاً.
وأثناء ذلك، تمكن السوفيت مطلع أيار/مايو 1960 من إسقاط هذه الطائرة، التي انطلقت من إحدى القواعد الجوية الأميركية في باكستان، باستخدام الصاروخ المطور حديثاً أس- 75 دفينا.
وبينما أعلن السوفيت عن إسقاطهم لطائرة تجسس أميركية، تدارك الرئيس الأميركي، دوايت أيزنهاور، الأمر ليعلن أن الطائرة تابعة للإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء، المعروفة بناسا، وأنها كانت بصدد إجراء أبحاث حول حالة الطقس والمناخ.
ويوم السابع من أيار/مايو 1960، أعلن خروتشوف أن قائد يو- 2 الطيار فرانسيس غاري باورز على قيد الحياة ونجا من الحادثة عقب خروجه من الطائرة قبل ارتطامها بالأرض واستخدامه مظلة الهبوط. كما أكد خروتشوف أن باورز موجود بموسكو وأن التحقيقات معه قد أثبتت أنه كان في مهمة استخباراتية، مستشهداً بعدد من صور المدن السوفيتية، التي عثر عليها بحطام الطائرة.
وعن المهمة، أكد القائد السوفيتي أن طائرة التجسس انطلقت من باكستان لتلتقط صوراً لمواقع حساسة سوفيتية قبل أن تواصل طريقها لتهبط بإحدى القواعد الجوية الأميركية في النرويج.
وفي الفترة التالية، طالب خروتشوف أيزنهاور بالاعتذار وتقديم وعود بعدم قيام الأميركيين بمهمات تجسس عبر الأجواء السوفيتية مستقبلاً. غير أن الرئيس الأميركي رفض ذلك، مكتفياً بتقديم وعد بعدم قيام بلاده بعمليات تجسس عبر الأجواء السوفيتية إلى حين نهاية فترته الرئاسية.
وأثار هذا الرد غضب القائد السوفيتي، الذي غادر قمة باريس قبل ساعات من بدايتها، لتشهد العلاقات السوفيتية الأميركية حالة تدهور غير مسبوقة، فسرعان ما تجددت الخلافات بين الطرفين.
وبسبب غياب المفاوضات حول مسألة برلين، اتجه الاتحاد السوفيتي لبناء جدار بالمدينة، في سعي منه لإنهاء أزمة الهجرة. كما واصلت الدولتان إجراء التجارب النووية لتتبخر بذلك آمال التوصل لاتفاقية قادرة على كبح جموح التسلح النووي.
وفي آب/أغسطس 1960، أصدر السوفيت حكماً بالسجن 10 سنوات على الطيار الأميركي، فرانسيس غاري باورز، لكن تم التوصل لاحقاً إلى اتفاقية تبادل للمعتقلين بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، حيث استعاد الأميركيون باورز مقابل إطلاق سراح الجاسوس السوفيتي، رودولف آبل.