نجحت المملكة العربية السعودية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي في أن تستقطب عبر مؤتمر مستقبل الاستثمار السعودي والذي، عرف بدافوس الصحراء ، كبار رجالات الاقتصاد من حول العالم، عطفا على المسؤولين الاقتصاديين الدوليين، وقد كان في مقدمتهم مديرة صندوق النقد الدولي السيدة كريستين لاغارد ووزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين، وقد أجادت المبادرة السعودية وقتها استكشاف الاتجاهات والفرص التي ستساهم في تحقيق عائدات إيجابية مستدامة، وبناء شبكة تضم أهم الأطراف المؤثرين في الساحة العالمية، إضافة إلى تسليط الضوء على القطاعات الناشئة التي ستساهم في رسم مستقبل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
واليوم تواصل المملكة نجاحاتها عبر "مبادرة مستقبل الاستثمار 2019"، والتي تحظى برعاية كريمة من خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبرئاسة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، الرجل القابض على جمر المستقبل بأقصى قوة، من أجل أن تلحق بلاده بركب التقدم ومسيرة الحضارة.
من رؤية 2030 تنطلق المملكة، والنجاحات تتراك، بما يدعم ويزخم دورها البناء في مستقبل يتجاوز الاقتصاد المحلي إلى الشراكات العالمية، ومن ورائها تقارير دولية تقطع بأحقيتها فيما تذهب إليه من قيادة وريادة.
الثابت أنه في الوقت الذي يتوقع فيه الجميع تراجع نمو الاقتصاد العالمي خلال السنوات الخمس القادمة، بسبب حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق والتوترات الجارية، تجيء وكالة بلومبيرغ الاقتصادية العالمية لتضع المملكة العربية السعودية ضمن أكبر وأهم 20 دولة تقود النمو العالمي في 2024، فيما يعد شهادة أممية تؤكد نجاح برامج الإصلاح التي تمضي فيها المملكة بخطى ثابتة وباستراتيجيات واضحة، تمكن صانع القرار من القفز على عقود التكلس والتحجر، والوثوب إلى أزمنة الفيض والرفاه.
لماذا يكتسب منتدى دافوس الصحراء هذا العام أهمية خاصة إقليميا ودوليا؟
أغلب الظن أن هناك أسبابا عديدة تدعو كبار المسؤولين الاقتصاديين والمفكرين والمنظرين لأحوال العالم المالية للقلق، من جراء مخاوف جمة محدقة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى اليمين، سيما وأن هناك توقعات بركود وكساد كبيرين من جراء أزمة الديون العالمية والعجز في موازنات الدول الكبرى، وعدم المقدرة على السداد وللقارئ أن يعلم مدى الأثر السلبي الذي يتركه تريليون دولار هو عجز الموازنة الأمريكية 2019 على الاقتصاد الأمريكي والذي لا يزال يشكل قاطرة الاقتصاد العالمي.
يجيء دافوس الصحراء هذه السنة كجرس إنذار، من جهة، وكمسرب أمل من جهة ثانية للتفكير والتدبير، ومن غير إضاعة الوقت في البكاء على اللبن المسكوب، لا سيما وأن العالم يسير نائما نحو أزمة مالية واقتصادية جديدة، ستكون لها تبعات مدمرة على نظام السوق الحر، والحديث هنا لمحافظ بنك إنجلترا السابق "مارفين كينغ "، في محاضرة ألقاها في واشنطن في الملتقى السنوي لصندوق النقد الدولي.
يأتي دافوس الصحراء 2019 كأكبر تجمع اقتصادي في المنطقة، محاولا طرح أسئلة جذرية واستشرافية، عن أحوال ومآلات الشعوب وأوضاعها المالية والاقتصادية، مع تعميق البحث عن استراتيجيات جزئية وكلية تنتشل الأمم من وهدة أزمة ثلاثينات القرن الماضي، والتي لو حدثت فإنها ستضحى أكثر هولا ورعبا، من جراء الترابط الاقتصادي الكوكبي، وعليه فإن الخطوط الخاصة بالاقتصاديات المحلية تتقاطع حكما مع نظيرتها الدولية، ما يعني أن أحدا لن ينجو من الطوفان بمفرده، كما أن قارب النجاة الاقتصادي العالمي يحتاج إلى أن يجدف الفريق البشري معا، وفي اتجاه بر السلامة.
ولعل ما يسبغ على دافوس الصحراء قيمة كبرى هذه المرة هو أن الأجوبة تأتي من على لسان مسؤولو دول، ورؤساء كبرى المنظمات الدولية، بالإضافة إلى مديري الشركات العملاقة من جميع قارات الأرض، ناهيك كذلك عن عشرات من الشركات العالمية، من بينها 25 شركة وبنكا استثماريا أمريكيا.
أبدع القائمون على دافوس الصحراء 2019 في تقديم أجندة رائعة من 47 جلسة ومحور عمل وورشة نقاش، ما يجعل الإبداع هو ديدن الحضور وليس الاتباع، والأفكار تولد بين يدي النقاشات الجادة، والعالم يسعى في مضمار اقتصاد المعرفة والابتكار، ومن خلال عوالم التجديد والثورة على النظريات المؤدلجة ضيقة الأفق.
الذين قدر لهم الاطلاع على حنايا وخبايا الأسئلة الجوهرية المطروحة في دافوس 2019 يقدر قولا وفعلا وجود عقليات سعودية نابغة قادرة على المشاركة ورسم خطوط الاقتصاد العالمي الجديد، وكيف له أن يتشكل في العقد المقبل على الأقل، لا سيما وأنها تساؤلات تسعى للبحث في التحركات الاستراتيجية، التي من شأنها تعظيم المخرجات الإيجابية، وتقدير اللحظة الملائمة للاستثمار.
من القضايا التي حققت فيها المملكة نجاحا عظيما تأتي قضية صندوق الثروة السيادية، ذاك الذي يعد ضمانة وأمانا للأجيال السعودية القادمة، وسوف تشارك المملكة خبرتها في هذا الإطار، بالإضافة إلى توسيع دائرة النقاش ليشمل الدور الذي يمكن أن تلعبه تلك الصناديق في حركة الاستثمار العالمي.
دافوس الصحراء على أهميته في تقدير كثير من الاقتصاديين الثقات، البروفة الأخيرة للحدث الكبير الذي ينتظره العالم في نوفمبر تشرين الثاني من العام 2020، أي موعد التئام شمل قمة العشرين في الرياض، ما يعني الإقرار العلني والضمني بأن المملكة أضحت ركيزة استقرار للاقتصاد العالمي، وشريكا فاعلا وناجزا في الأمن العالمي المالي والتغير الجيوسياسي الكوني.