قمّة العشرين: هل تفرض واشنطن و بيجينغ حلاً في أوكرانيا؟

علي حماده
علي حماده
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

كان غياب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن قمة مجموعة العشرين التي عقدت يومي الاثنين والثلثاء الماضيين صارخاً. ناب عنه وزير الخارجية سيرغي لافروف، لكن لم يكن لحضوره القمة أي وقع لافت في ظل طغيان حضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي الذي خاطب القمة عبر الأقمار الصناعية على شاشة عملاقة تصدرت قاعة الاجتماعات، فكان الأخير نجم القمة، فيما كانت المشاركة الروسية ضامرة إلى حد بعيد. ما زاد المشاركة الروسية تهميشاً كانت القمة الأميركية-الصينية بين الرئيسين جو بايدن وشي جبينبينغ يوم الاثنين، فشكلت الحدث الأبرز على صعيد العلاقات الدولية في هذه المرحلة، لا سيما مع ارتفاع منسوب التوتر بين الولايات المتحدة والصين حول عدد من القضايا الخلافية التي أثّرت سلباً على علاقاتهما الثنائية في العامين الماضيين. وبين خطاب زيلنسكي من جهة، والقمة الأميركية -الصينية من ناحية أخرى، غاب الحضور الفاعل الروسي إلى أبعد حدود في قمة تجمع أقوى الاقتصادات في العالم، ومن بينها روسيا الاتحادية. لكن الحرب ضد أوكرانيا التي شنها الرئيس الروسي في الرابع والعشرين من شباط (فبراير) الفائت، والتطورات على أرض المعركة التي أتت في الأشهر الأخيرة في غير مصلحة روسيا، أثّرت سلباً على مكانة روسيا الدولية، حتى قبل قمة العشرين. فالإطلالات الدولية الأخيرة للرئيس الروسي في قمتين عُقدتا خلال الصيف الماضي في كل من سمرقند وآستانا تعرّض خلالهما لإحراج كبير، لا سيما عندما ظهر أن عدداً من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق في آسيا الوسطى قد اتخذت مواقف متحفظة إزاء موسكو، إضافة إلى موقف كل من الصين والهند (قمة سمرقند) اللتين أبدتا نوعاً من التبرم من الحرب التي شنها الرئيس الروسي في أوكرانيا، والتي بدأت دول العالم، ولا سيما دول الجوار الروسي، ترى أنها طالت كثيراً وحان الأوان لوقفها، حتى لو لم يحقق بوتين أهدافه منها. من هنا غاب بوتين عن قمة العشرين في جزيرة بالي في إندونيسيا، وبدا غيابه ترجمة لتراجع في هيبة روسيا، بعدما تعثرت حربها في أوكرانيا ومُنيت بنكسات عسكرية متلاحقة نالت من مكانتها كقوة كبرى في العالم، بحيث اضطر بوتين أن يغيب عن القمة تاركاً النجومية لعدوّه زيلنسكي.

لم تكن قمة العشرين مخصصة لبحث الحرب في أوكرانيا، لكن نتائج الحرب كانت حاضرة في جميع المداولات، وخصوصاً أزمة إمدادات الغذاء العالمية، وأزمة الطاقة، والتضخم العالمي الذي يعصف باقتصادات العالم بأسره. لكن يمكن القول إن الحدث الأهم الذي حاز اهتمام قادة العالم كان القمة الأميركية-الصينية التي تعقد بين قوتين عظميين بلغ التوتر بينهما مستويات مقلقة، تحديداً على خلفية الخلاف حول مصير جزيرة تايوان التي تتعرض منذ وصول الرئيس شي جينبينغ إلى السلطة إلى مزيد من الضغوط من كل نوع، وبخاصة على الصعيد العسكري. أهمية القمة بين بايدن وشي تعود إلى أنهما خارجان للتّو من استحقاقين داخليين تمكنا فيهما من تجديد شرعيتهما، الأول عبر انتخابات الكونغرس النصفية التي تمكن فيها حزب الرئيس (الحزب الديموقراطي) من صد موجة الحزب الجمهوري، فلم يتراجع كثيراً كما درجت العادة في الانتخابات النصفية التي تلي انتخاب الرئيس، حيث يتعرض حزبه لخسارة شبه محققة. هكذا أتى بايدن إلى القمة منتشياً بنتائج الانتخابات، فيما أتى نظيره الصيني محمولاً بتجديد من خارج الأعراف لولاية ثالثة على رأس الحزب الشيوعي الصيني، بعدما استطاع أن يركز معظم السلطات بيده، وهذه سابقة لم تشهدها الصين منذ أيام الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، وخليفته دنغ شياوبينغ، فوقف أمام الرئيس الأميركي المنتشي بصفته الزعيم الأوحد في بلاده.

خلال المصافحة التي سبقت الاجتماع بين الرئيسين ووفديهما المرافقين، علت ابتسامتان كبيرتان على وجهي الرئيسين، ما دل إلى إرادة مشتركة لإيصال رسالة مفادها أن اللقاء ستطبعه رغبة ثنائية بإعادة فتح قنوات التواصل، والعمل على خفض مستوى التوتر بينهما في العديد من الملفات الساخنة، أولها تايوان، ثم التنافس الاقتصادي والتكنولوجي، وأخيراً وليس آخراً التنافس في القوة العسكرية. وقد لخص البيت الأبيض المسألة بفكرة مفادها أن التنافس يجب ألا يتحول إلى صراع. بمعنى آخر كان لافتاً جداً الفارق بين المناخ الصيني الذي ساد خلال القمة الصينية-الروسية التي سبقت قيام الرئيس بوتين بشن حربه في أوكرانيا في شباط (فبراير) الماضي، وأعلن الطرفان فيها عن "صداقة بلاد حدود"، والمناخ خلال قمة بايدن-شي التي أشّرت اليوم إلى شيء مختلف أقل ما يقال عنه إن العلاقة مع روسيا صارت محرجة بعد فشل الحرب الروسية وانكشاف نقاط ضعف الرئيس بوتين البنيوية. والسؤال: في ضوء عجز بوتين عن النزول عن الشجرة، هل يمكن التعويل على عودة قنوات التواصل الأميركية-الصينية إلى العمل بقوة، بما يمكّن القوتين من فرض حل في أوكرانيا ينهي الصراع الذي طال كثيراً؟

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط