أحدثت الحرب التي شنتها إسرائيل ضد حركة "حماس" في قطاع غزة، صدمات على المستويين الاجتماعي والاقتصادي ستودي بمئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الفقر.
ومن المتوقع أن تصل الخسائر الاقتصادية للقطاع الخاص في غزة إلى أكثر من مليار دولار خلال الشهر الثاني من الحرب الإسرائيلية على القطاع، وذلك ارتفاعاً من 700 مليون دولار خلال الشهر الأول، وفقا لمدير عام الإحصاءات الاقتصادية في الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، محمد قلالوة.
"90 % من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة توقفت عن العمل بسبب التدمير أو الحرب وعدم توفر المقومات اللازمة للعمل".
وأشار إلى أن معدل البطالة في القطاع تجاوزه وفقا لتقديره 70% حاليا من 45% قبل السابع من أكتوبر، مضيفا أن 148 ألف عامل توقفوا عن العمل بسبب الهجمات وتدمير البنية التحتية وتوقف الإنتاج.
وتوقع أن ترتفع نسبة الفقر في قطاع غزة إلى حوالي 90%.
وقال قلالوة "في الشهر الأول جرى تقدير خسائر البنية التحتية والمنشآت بما يزيد عن 3 مليارات دولار، كما أن 50% من الوحدات السكنية والمباني في قطاع غزة جرى تدميرها بشكل كامل، أي ما يُقدر بنحو 200 ألف وحدة وهذا الرقم سيزداد بمرور الوقت".
انخفاض القدرة الشرائية
وأردف قائلا "في الشهر الأول من الحرب، جرى رصد ارتفاع في أسعار السلع الاستهلاكية في قطاع غزة نتيجة نقص الوقود والإمدادات بواقع 12%، ما انعكس على القدرة الشرائية التي انخفضت".
وتابع "وفي الشهر الثاني، استمر الارتفاع بشكل كبير ووصل لما يزيد عن 26%، نتيجة نقص إمدادات السلع الأساسية التي تلبي احتياجات المستهلكين".
وبشأن إمكانية عودة الوضع الاقتصادي بغزة إلى ما كان عليه قبل الحرب، قال قلالوه إن ذلك يعتمد على عدة عوامل أولها بالطبع توقف الحرب الإسرائيلية وكذلك قدرة المجتمع الدولي على إعادة بناء القطاع المدمر، إذ أن 70% من قطاع غزة تعرض للتدمير، وأيضا سرعة توفير الإمدادات سيحدد الفترة الزمنية اللازمة للتعافي الاقتصادي".
القاعدة الإنتاجية
وأضاف "عبر السنوات وبعد كل اعتداء وحرب على قطاع غزة كنا نرصد تعافيا اقتصاديا، لكن مستوى التعافي بعد كل حرب ينكمش مع الزمن، وهذا يعني انكماشا في القاعدة الإنتاجية في قطاع غزة ".
وشدد قلالوة على أن الضفة الغربية ليست بمعزل عما يحدث في قطاع غزة، فالحواجز الإسرائيلية وعزل المحافظات ومنع تدفق السلع والبضائع أثر بشكل كبير على الواقع الاقتصادي بالضفة.
وتابع "هناك 160 ألف عامل يدخلون لإسرائيل من خلال التصاريح توقفوا عن العمل، وحوالي 50% من قطاعات الخدمات انخفضت مبيعاتها، كما أن 29% من منشآت القطاع الخاص توقفت عن العمل بشكل جزئي أو كامل... الضرر الاقتصادي كبير على الضفة الغربية".
وتابع قلالوة " الاقتصاد بدأ بالانكماش في الضفة".
مستويات الفقر
وقال إن معدل البطالة في الضفة يبلغ نحو 33% ومن المتوقع ارتفاع المعدل في الأراضي الفلسطينية ككل إلى ما يزيد عن 60% بعد أن كانت 24% سابقا.
وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير، ارتفاع معدل الفقر في الأراضي الفلسطينية (قطاع غزة والضفة) بعد شهر على اندلاع الحرب، من 26.7 إلى 31.9%. ويعني ذلك زيادة 285 ألف شخص إلى عدد الفقراء الذي كان يقدّر بنحو 1.5 مليون قبل الحرب.
وكشف التقرير، أن نسبة الفقر قد تبلغ 35.8% إذا استمرت الحرب شهراً إضافياً (500 ألف فقير إضافي)، وإلى 38.8% إذا استمرت شهرين إضافيين (أي أكثر من 660 ألف فقير إضافي)، مشيرا إلى أنّ الحرب تشكل صدمة "عنيفة" للاقتصاد الفلسطيني.
وعليه توقعت الأمم المتحدة أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي هذا العام بنسبة تتراوح بين 4.2 إلى 12.2% مقارنة بالتوقعات، وفقاً لمدة الصراع.
معدلات البطالة
وكانت نسبة البطالة بلغت 24.7% قبل الحرب، وقد ترتفع بين 5 و13% في العام 2023، مع فقدان نحو 182 ألف وظيفة في قطاع غزة، و208 آلاف وظيفة في الضفة الغربية المحتلة على خلفية القيود المفروضة على حركة البضائع وعلى العمال الفلسطينيين الذين منعوا من دخول إسرائيل للعمل.
وقال مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أخيم شتاينر، إن الوضع ينذر "بأزمة في التنمية خلال السنوات المقبلة".
وفي غزة، دُمّر أو تضرر 45% من الوحدات السكنية على الأقل بالإضافة إلى شركات وموارد دخل.
وأكد التقرير أنّ صوراً التُقطت عبر الأقمار الاصطناعية في مدينة غزة وفي شمال القطاع، تُظهر تضرر أكثر من 36% من البيوت البلاستيكية الزراعية وتضرر أكثر من ألف حقل جراء أعمال الحفر.
وقال شتاينر "وفقًا للسيناريو الأكثر حذرًا الذي وضعناه، يهدد هذا الصراع بإعادة التنمية عشر سنوات إلى الوراء على الأقل" في الأراضي الفلسطينية.
سيناريو أكثر تشاؤماً
وبحسب سيناريو أكثر تشاؤماً، فإن مؤشر التنمية البشرية (الذي يأخذ في الاعتبار متوسط العمر، والتعليم، ومستوى المعيشة) قد ينخفض ليعود إلى ما كان عليه في 2007، وهو العام الذي شهد فرض إسرائيل حصار على القطاع بعد سيطرة حركة حماس عليه بالكامل.
وعليه شدّد شتاينر على أهمية التفكير في التنمية وليس فقط في المساعدات الإنسانية، داعياً إلى استخلاص "الدروس" من الماضي، ولا سيما في ظل بطء عمليات إعادة الإعمار سابقاً واعتماد غزة على المساعدة.
ولفت التقرير إلى أنّ 1700 منزل دُمّروا خلال الحرب بين حماس وإسرائيل في مايو 2021 واستغرقت إعادة بناء 200 منها فقط، عاماً كاملا.
وفي سياق متصل قالت "فايننشال تايمز" إنه حتى قبل هذه الحرب كان اقتصاد غزة فريداً من نوعه، حيث كان 81% من السكان يعتبرون فقراء ويعتمدون على المساعدات الدولية، وفقاً لأرقام الأمم المتحدة.
صيد الأسماك
يبلغ عدد الصيادين في غزة حوالي 4 آلاف صياد رسمي مسجل، انخفاضا من 10 آلاف في عام 2000. وكان أبدى الصيادون مرارا وتكرارا مكفاحتهم وتأثرهم بالحصار المستمر منذ أكثر من 16 عاما، حيث يعتبر القطاع جزء حيوي من اقتصاد غزة المتضرر.
وتقيد إسرائيل حدود الصيد في غزة بستة أميال فقط، وتحرسها السفن الإسرائيلية والقوات الخاصة البحرية التي تطلق النار على أي شخص يعبر تلك الحدود.
وتحد هذه القيود بشكل كبير من تنوع وكمية الأسماك التي يمكن صيدها. في يوليو، شكلت الأسماك 6% من إجمالي صادرات غزة، وفقًا للأمم المتحدة.
ويعد صيد الأسماك مصدرا حيويا لتوفير فرص العمل، حيث يستفيد أكثر من 100 ألف شخص من هذا القطاع في غزة.
أغلقت إسرائيل في سبتمبر، أي قبل اندلاع الاشتباكات الأخيرة بينها وبين حماس بحوالي شهر تقريبا، المعبر التجاري الرئيسي في غزة "معبر كرم أبو سالم" لمدة أربعة.
تأتي هذه البيانات قبل الحصار الأخير الذي قامت به إسرائيل على قطاع غزة بعد تفاقم الاشتباكات ما بين إسرائيل وحماس منذ 7 أكتوبر 2023.
اقتصاد ما قبل الحرب
خلُص أحدث تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) بشأن مساعدته للشعب الفلسطيني، إن عام 2022 كان عاما سيئا بالنسبة للفلسطينيين. وعلى خلفية التوترات السياسية المتصاعدة، وتزايد الاعتماد على السلطة القائمة بالاحتلال، وتوقف عملية السلام، واصل الاقتصاد الفلسطيني العمل بأقل من إمكاناته في عام 2022 مع اشتداد التحديات المستمرة الأخرى.
وتشمل هذه العوامل فقدان الأراضي والموارد الطبيعية لصالح المستوطنات الإسرائيلية، والفقر المتوطن، وتقلص الحيز المالي، وتراجع المساعدات الخارجية، وتراكم الديون العامة والخاصة. ولا يزال الاقتصاد يعاني من صدمة كوفيد-19.
وعلى الرغم من نمو الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني بنسبة 3.9% في عام 2022، إلا أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لا يزال أقل بنسبة 8.6% من مستواه قبل الوباء في عام 2019. وفي غزة، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي أقل بنسبة 11.7% من مستوى عام 2019 وقريباً من أدنى مستوى له منذ عام 1994.
وظل معدل البطالة مرتفعا عند 24% في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، و13% في الضفة الغربية، و45% في غزة - وكانت النساء والشباب هم الأكثر تضررا. وازداد الفقر، ما جعل 40% من السكان في حاجة إلى المساعدة الإنسانية. ومع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة العالمية، تعاني الأسر الفقيرة بشكل غير متناسب، لأن الغذاء يمثل حصة أكبر من إجمالي إنفاقها.
ويبلغ نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني حالياً 8% فقط من نظيره في إسرائيل، وفقاً لـ "أونكتاد".
الاعتماد على إسرائيل
وسلط التقرير الضوء على اعتماد الاقتصاد الفلسطيني القسري على إسرائيل. وقد أدت تكاليف الإنتاج والمعاملات المفرطة والحواجز التجارية مع بقية العالم إلى عجز تجاري مزمن واعتماد واسع النطاق وغير متوازن على إسرائيل، التي شكلت 72% من إجمالي التجارة مع فلسطين في عام 2022.
وتجبر ندرة الوظائف العديد من الفلسطينيين على البحث عن عمل في إسرائيل والمستوطنات. في عام 2022، كان 22.5% من الفلسطينيين القادرين على العمل من الضفة الغربية يعملون في إسرائيل والمستوطنات، حيث متوسط الأجر أعلى. لكن رسوم السمسرة والتكاليف الأخرى المرتبطة بها تمثل 44% من إجمالي الأجر، ما يمحو العلاوة على متوسط الأجر المحلي، وهو ما يشير إلى أن البحث عن عمل في إسرائيل والمستوطنات يعتمد إلى حد كبير على فرص العمل المحدودة في الاقتصاد المحلي.
انخفاض الاستثمار
في الماضي، ساعدت مساعدات المانحين في تخفيف تأثير الاحتلال. ومع ذلك، في عام 2022، تلقت الحكومة الفلسطينية 250 مليون دولار فقط من دعم ميزانية المانحين و300 مليون دولار لمشاريع التنمية. ويشكل هذا انخفاضا حادا من إجمالي ملياري دولار، أو 27% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008، إلى أقل من 3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022.
وانخفض الاستثمار في عام 2022 إلى 10.7% من الناتج المحلي الإجمالي لغزة – أو 1.9% ضئيلة من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني. بين عامي 2006 و2022، تقلص الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد في غزة بنسبة 27%، في حين تقلصت حصته في الاقتصاد الفلسطيني من 31% إلى 17.4%.
كما أن القيود المفروضة على الحركة تعيق الوصول إلى الخدمات الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية، حيث يعتمد 80% من سكان غزة على المساعدات الدولية.
وخلص التقرير إلى أن احتمالية أن تجد فلسطينياً فقيراً تبلغ 65%، واحتمال ترك أحدهم الرغبة في العمل بسبب اليأس 41%، وبالنسبة لأولئك الذين يبحثون عن عمل، احتمال أن يصبحوا عاطلين عن العمل تبلغ 45%.