لا الأمطار الغزيرة ولا المخاوف الأمنية والتهديدات منعت الرياضيين والجمهور من مشاهدة "واحدة من أكثر الاحتفالات إثارة في التاريخ"، على حد وصف صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الأميركية لحفل افتتاح الألعاب الأولمبية في باريس. هذا العرض الذي أثار دهشة العالم جعل وسائل الإعلام الكبرى تتسابق في إيجاد الوصف المناسب له. صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، قالت إنه كان حفلاً "من أجل وحدة وشفاء فرنسا المنقسمة، وعالم مكسور" بفعل حروب هنا وهناك.
لكن هذه النظرة الإيجابية لم تكن ذاتها في صفوف أقصى اليمين الفرنسي، الذي فضل اختيار كلمات أخرى للتعبير عن صدمة وجدها رموزه في حفلٍ "رفع الفن الهابط" و"أسقط عظمة الحرس الجمهوري"، وفق نظرة ماريون ماريشال، ابنة شقيقة زعيمة أقصى اليمين الفرنسي مارين لوبان.
ماريون ماريشال التي اعتبرت هذا الحفل الصاخب قضيتها الشخصية، قالت في منشور على "إكس" باللغتين الفرنسية والإنجليزية، إنه "من الصعب تقدير المشاهد الناجحة النادرة بين ماري أنطوانيت مقطوعة الرأس، والمجموعة التي تقبل بعضها بعضا، والدراغ كوين (في مشهد محاكاة العشاء الأخير للسيد المسيح)، وإذلال الحرس الجمهوري الذي أجبرَ على الرقص".
Je regarde la #cérémoniedouverture des JO avec mes enfants.
— Marion Maréchal (@MarionMarechal) July 26, 2024
Difficile d’apprécier les rares tableaux réussis entre les Marie-Antoinette décapitées, le trouple qui s’embrasse, des drag queens, l’humiliation de la Garde républicaine obligée de danser sur du Aya Nakamura, la…
رموز أقصى اليمين أجمعوا على أن الحفل الافتتاحي لدورة الألعاب الأولمبية مثّل "إهانة للثقافة الفرنسية" بسبب جعل مغنية فرنسية من أصول إفريقية تمثل الأغنية الفرنسية، وللمسيحيين حول العالم بسبب لوحة العشاء الأخير، وهي اللحظة الأكثر لفتًا للانتباه. هذه اللوحة التي جاءت تحت عنوان "الاحتفالية" تبدأ بصورة مجموعة من الأشخاص يتحلقون حول الطاولة، ومن بين أبرز هؤلاء الأشخاص كان نيكي دول، وبالوما، وبيش، وهم من رموز ما يعرف بـ"الدراغ كوين"، وهؤلاء في الغالب مجموعة من الرجال الذين يرتدون ثياباً نسائية ويتصرفون بأنوثة لغرض الترفيه والكوميديا والسخرية.
وهو ما دفع زعيم حزب "الاسترداد" اريك زيمور إلى "الاعتذار من كل مسيحيي العالم" على ما اعتبرها إهانة لهم.
وكان هذا المشهد أيضاً على وجه الخصوص هو الذي جعل داميان ريو، أحد رموز المجتمع الفاشي الفرنسي، يهاجم الحفل بشراسة. لم يكتف المؤسس المشارك في مجموعة "جيل الهوية" الفاشية التي حلتها السلطات الفرنسية قبل ثلاث سنوات، بتغريدة واحدة، ولا اثنتين، بل أربع تغريدات حول هذا الموضوع. يقول ريو في إحداها "الغريب أنهم لم يصنعوا لنا محاكاة ساخرة لمحمد".
اللوحة أكملها مشهد رجلين يقبلان بعضهما بعضا، وعارضة متحولة جنسياً، ما دفع أقصى اليمين إلى اعتبار الحفل دعاية تروج للمثلية الجنسية ومجتمع الـ LGTB+، ومبررين ذلك بأن توما جولي، المسرحي الفرنسي الذي صنع الحفل الافتتاحي مثلي الجنس بشكل معلن.
بيد أن منظمي الحفل قالوا إن رسالتهم من وراء هذه اللوحات، كانت بشكل رئيسي لرفض التفرقة والتمييز وبأن العالم يتسع لكل شخص ولون وهوية، وهو ما عبّرت عنه باريس من خلال هذا الحفل الذي استغرق التحضير له أربع سنوات، ونحو 122 مليون يورو، بحسب تقديرات عديدة. وكان بمثابة المعركة الشخصية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي ضحى بكل معاركه السياسية مقابل الحصول على مديح العالم وحفل أسطوري حضره نحو مليار مشاهد على شاشات التلفزة العالمية، و22 مليون مشاهد فرنسي، ليكون بذلك ثاني أكبر حدث من حيث المشاهدة في تاريخ التلفزيون الفرنسي بعد كأس العالم عام 2018 في روسيا.
ردود الفعل على يمين المشهد السياسي الفرنسي بدت ردوداً معزولة مع اقتصارها على الشخصيات الرافضة لصورة فرنسا المتعددة وهدفها النيل من اليسار الذي احتفى بباريس المحتفلة من خلال القول إن كل ما عرض كان أفكاراً يسارية متحررة ومن دون حدود، إلا أن المؤرخ الفرنسي البارز والمتخصص في العصور الوسطى وعصر النهضة باتريك بوشرون الذي كان أحد مفكري حفل افتتاح الأولمبياد، رفض استنفار أقصى اليمين وهجماته، معتبراً أن الحفل جاء لعرض "كل ما تمثله فرنسا أمام العالم. إظهار الجميع معاً: طويلو وقصيرو القامة، البدناء والنحفاء، السود والبيض والعرب (..) كلهم معاً في نفس قائمة الأغاني، مع رقصات من ثقافاتهم"، مضيفاً أنه كان حفلاً يشبه فرنسا في تعقيده، و"مشابه في طريقة الوجود، وفي رواية قصة تنوعنا والتأكيد بجرأة وحيوية على أن هذه هي الطريقة التي سنعيش بها معًا مع هذا الماضي".