عبدالله المطيري لـ"العربية.نت": كتابي الجديد يتضمن التأملات في الصمت والاعتذار والموت

رئيس جمعية الفلسفة يقول إن لغة الليل تتجاوز حدودها والنور غواية الذات

المصدر: الرياض - فيصل بن أحمد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

اختار الاستماع إلى الظلمة، آمن أن أطراف الظلام تحمل حيز الإنصات، حاول سبر أغوار تلك العتمة عبر كتابه الجديد "الفلسفة حين تنصت في الظلام"، مؤمناً أن النور غواية الذات الباحثة عن الاتساع والتمدد، وبأن الظلام لقاء اللاتناهي، وتربية للذات واستعادة للطفولة. يقول الفيلسوف السعودي، الدكتور عبدالله المطيري، رئيس جمعية الفلسفة السعودية في حوار لـ"العربية.نت" بشأن مؤلفه الجديد "الفلسفة حين تنصت في الظلام" إن مكونات الكتاب وعناصره المعرفية تحاول الإنصات للظواهر والعلاقات، مثل روح الإنصات الذي لا يتوافر إلا في الظلام، ويضعنا الكتاب في لقاء مع صمتٍ يتحدث واعتذار للآخر قبل أن يعتذر، وموت يتيح اللقاء من جديد، وكتابة من نداء وترجمة من ضيافة، وشكر أوّل يسبق التبادل، وهديّة تحمل فيها هداية الآخر، وتوقّع يهاب المستقبل، واستكشاف يراهن على الزيارة لا الاستيطان، واستشراف يرحّب بالمستقبل ولا يصنعه.

وعن مؤلفه الجديد، يقول الكاتب عبد الله المطيري: "يمكن اعتبار كتابنا اليوم المعنون بـ"الفلسفة حين تنصت في الظلام" امتدادا للكتاب السابق "فلسفة الآخرية" الصادر من دار مدارك قبل ثلاث سنوات، إذ قدم أطروحة تهدف إلى استقبال أرحب للآخر عبر دراسة نقدية لفيلسوفين وجوديين هما سارتر وليفيناس، وتوصيف فينومينولوجي للضيافة باعتبارها العلاقة التي يظهر فيها الفضاء الرحب للعلاقة بالآخر.

ويوضح رئيس جمعية الفلسفة، بأن الكتاب يتضمن التأملات في الصمت والاعتذار والموت والكتابة والترجمة والشكر والهديّة والتوقّع والاستكشاف، والاستشراف، والعفو، بجانب الحرية، والمواطنة، والحياء، والمشافهة، في حين أن الكتابة في هذه الظواهر تعد العلاقة الأولى بـ"الآخر" باعتباره "آخر"، مشيراً إلى أن مهمة هذه التأملات تكمن في الإنصات لتلك العلاقة.


إلى نص الحوار:

انتقلت من الضيافة التي تمظهر العلاقة بالآخر، إلى علاقة أخرى تتمثل في جوانب عدة لكنها تجتمع في الكلمة، أين وجدت عرى هذه العلاقة تشتد؟

تشتد عرى هذه العلاقة في اللقاء بين الإنسان والكائنات الأخرى. هذا اللقاء الحدث الذي يفتح وجود الإنسان على اللاتناهي المتمثّل في الآخر. أمام هذا اللاتناهي تولد الكلمات حاملة فيها انكشافا عميقا على هذا الوجود. الكلمة بهذا المعنى رسالة تحمل في داخلها الكثير وفي حاجة مستمرة لمن ينصت لها.

اخترت الاستماع في الظلمة، كيف وجدت همس المحاور التي تطرقت لها، وهل هذه العلاقات التي تكمن في الظلمة تقابل الضيافة التي تمتاز بالصخب في النور؟

في الضيافة ظلامها كذلك. ضيافة الليل وضيافة الباب المفتوح الذي يحمل معه كل مفاجآت الظلام. ولغة الضيافة لغة ليلية. لغة الاستئناس بوجود الآخرين، ولغة خلق عوالم بديلة. في الظلام إمكانية أوسع للإنصات حيث يتخلى الإنسان عن مهمة الاستحواذ على العالم. حتى العين في الظلام تتحوّل إلى أذن لذا كانت العلاقة مع النجوم البعيدة في السماء علاقة استماع بالنظر.

أذكر ونحن صغار أن أهلنا كانوا يحذروننا من عدّ النجوم في الليل باعتبار أن عدّها سيتسبب في ظهور ثآليل على جسدنا. العلاقة الحسابية المتمثلة في العدد شكل من أشكال الاستحواذ والإحصاء وهو ما يتناقض ربما مع موقف العين المنصتة. العقوبة، كما تقول الأسطورة، أن تظهر الثآليل على جسدك وكأن الجسد تحوّل على سماء بديلة تظهر فيها نجومها. سماء لم تعد أخرى. عدّ النجوم محاولة للقبض على السماء وهذه نتيجته.

يمكن للصمت والموت أن يسكنا الظلمة هادئين، أما الاعتذار والكتابة والترجمة والشكر والهدية، فلا تبدو من سكان الظلمة، ما جانبها الذي أمسكت به هناك؟

في الاعتذار إنصات أوّل لألم الآخر الذي لا يحتاج النور لكي يظهر. الاعتذار الذي يسبق الإعلان عن الألم. والكتابة إنصات يولد داخله الكلام، تولد داخله اللغة، لغة الليل التي تراهن على ما يتجاوز حدودها التي تتسع مع تقلّص حدود الذات في عالم الظلمة. لذا كانت الكتابة رسالة تمرّ عبر كاتبها لقارئ ربما يأتي. رسالة مخفية لا تنطق بذاتها. أما الترجمة فهي ترحيب أول بكلام آخر. ترحيب يسبق تحويل ما يقوله إلى لغة أخرى. ترحيب يسبق الفهم. يسبق نور المعرفة، يسبق ظهور الملامح. يد تصافح يد قبل أن تتبيّن ملامح صاحبها. والشكر إنصات ليد العطاء التي تمتد دون أن تعلن عن امتدادها. اليد المختفية. اليد اليمين التي لا تعلم عنها يد الشمال. الشكر بهذا واستجابة لظلام العطاء الزاهد في النور. أما الهدية فهي محاطة بالظلام. مغلّفة. حكاية تبدأ في السرّ وتسير كل خطواتها في الخفاء في سبيل لقاء أخير.

النور هنا هو وصاية الآخر؟ أو وصاية الموروث؟ وإذا كانت الفينومينولوجيا في معرض كتابك السابق أساسه النور، فأي شيء قاد سمعك هنا؟

النور غواية الذات الباحثة عن الاتساع والتمدد. الذات التي تكتشف وحدتها أكثر كما تمدد وجودها. في المقابل فإن الظلام لقاء مع اللاتناهي. الظلام تربية للذات وأمومة تستعيد لها طفولتها. كنت بحاجة لاستعادة طفولة الفينومينولوجيا. عودة لرحمها الأول المظلم الذي سبق ولادتها ولقاءها بالنور. في هذا الكتاب كان نداء الآخر هو الذي كتب كل شيء. وأول نداء الآخر في الظلام. في الليل الذي يسبق ولادة النهار.

كنت في الظلمة تستمع، فهل رأيت شيئاً؟ هل ختام الكتاب هو مستقبل يلوح من بعيد؟ أو بشكل آخر، ماذا بعد هذا الاستماع؟

الإنصات الأول يحاول أن يتحرر من سببية الاستماع في سبيل القول. الإنصات أبطأ من التخطيط وأهدأ من الاستعداد. لكنه في كل أحواله علاقة مع المستقبل. الإنصات بهذا المعنى ترحيب مبكّر بالمستقبل وانكشاف على ما سيأتي. بل ربما أنه هو ما يجعل المستقبل ممكنا. المستقبل الذي لا يتخلى كان مجهوليته وغرابته ومفاجأته.. عن آخريته.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط