بلغت الهجرة القانونية إلى بعض أغنى دول العالم أعلى مستوى لها على الإطلاق في عام 2023، مما أثار رد فعل عنيف من الناخبين ضد الحكومات على الرغم من الاتجاه نحو تعزيز النمو وخلق فرص العمل. إذ انتقل ما يقرب من 6.5 مليون شخص إلى 38 دولة بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من خلال طرق الهجرة الدائمة العام الماضي.
وأظهر تقرير صادر عن المنظمة، ومقرها باريس، أن هذا يمثل ارتفاعاً بنحو 10% عن الرقم القياسي السابق البالغ 6 ملايين انتقلوا في عام 2022. وكانت أكبر زيادة في المملكة المتحدة، التي أصبحت لأول مرة أكبر مستقبل للمهاجرين بعد الولايات المتحدة، مع صافي هجرة بلغ 750 ألف شخص مدفوعًا بالتوظيف في قطاع الرعاية.
وقال رئيس قسم الهجرة الدولية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، جان كريستوف دومون: "هذا ليس مجرد تعويض عن فترة الجائحة، فهذه قصة أخرى نواجهها بالتأكيد في عام 2023"، مشيرًا إلى أن الاتجاه يعكس الطلب القوي على العمال الأجانب والدراسة في الخارج، بحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" واطلعت عليه "العربية Business".
وسجلت حوالي ثلث دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مستويات قياسية من الهجرة في عام 2023، بما في ذلك كندا وفرنسا واليابان. واستقبلت الولايات المتحدة 1.2 مليون مهاجر قانوني دائم.
ويعتقد خبراء الاقتصاد أن زيادة حركة الهجرة عبر الحدود ساعدت الاقتصادات الغنية على التعافي من أزمة التضخم في أعقاب الجائحة وغزو روسيا لأوكرانيا.
ومع ذلك، يركز العديد من الناخبين على النطاق المتزايد للهجرة وعلى طالبي اللجوء الذين يصلون بطرق غير شرعية، على الرغم من أن هذه تمثل نسبة صغيرة من الأرقام الإجمالية. إذ فقدت جميع حكومات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الحالية التي واجهت إعادة انتخابها هذا العام حصتها من الأصوات، وخسر العديد منها مناصبها. بما في ذلك دونالد ترامب، حيث استند الرئيس المنتخب في حملته على تعهدات بالقضاء على الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة وربما ترحيل ملايين المهاجرين الذين يعيشون في البلاد دون تصريح.
ارتفع عدد طالبي اللجوء الجدد في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنسبة 30% إلى رقم قياسي بلغ 2.7 مليون، مدفوعًا بارتفاع عدد الأشخاص الذين يصلون إلى الولايات المتحدة من فنزويلا وكولومبيا ونيكاراغوا وهايتي. وتلقت الولايات المتحدة وحدها أكثر من مليون طلب لجوء - أكثر من إجمالي طلبات اللجوء في جميع الدول الأعضاء الأوروبية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مجتمعة.
وقال دومون إن انخفاض إجمالي أعداد الهجرة الإجمالي بدءً من عام 2025 فصاعدًا لن يكون مفاجأة، مضيفًا أن هذا قد يؤدي إلى "زيادة التوترات" مع تضييق طرق الهجرة القانونية.
وأظهر التحليل الذي نشرته "غولدمان ساكس" مؤخراً أن الهجرة شكلت تقريباً جميع الزيادة بمعدل التوظيف في كندا ونيوزيلندا والنرويج والسويد وألمانيا والمملكة المتحدة منذ بداية عام 2023، فضلاً عن ارتفاع القوى العاملة في الولايات المتحدة بأكثر من 4 ملايين.
وقال الخبير الاقتصادي في "غولدمان ساكس"، جوزيف بريجز، إن الهجرة ساعدت الولايات المتحدة على إعادة التوازن إلى سوق العمل بتكلفة اقتصادية ضئيلة.
وحذر كبير الاقتصاديين في "مورغان ستانلي"، سيث كاربنتر، من أنه رغم استحالة معرفة كيف ستتغير السياسة الأميركية في عهد ترامب، فإن تقليص الهجرة سيسفر حتماً عن تباطؤ النمو وارتفاع التضخم.
وقال دومون إن نقص العمالة في الولايات المتحدة سيجعل من "الصعب إغلاق الباب"، إذ يحتاج الاقتصاد الأميركي إلى الهجرة القانونية في الحقول، والفنادق، وقطاع الرعاية الصحية.
كما شددت دول أخرى كانت تقليديًا من بين أكبر المتلقين للمهاجرين الجدد قواعد دخولها. وقد اتخذت كندا وأستراليا والمملكة المتحدة تدابير للحد من الهجرة المرتبطة بالعمل، حيث حددت كندا عدد المقيمين المؤقتين لأول مرة. كما تعيد البلدان الثلاثة النظر في نهجها تجاه الطلاب الدوليين، الذين يُنظر إلى أعدادهم المتزايدة على أنها مصدر ضغط على أسواق الإسكان المتضخمة.
وزاد عدد الطلاب الدوليين الوافدين، مدفوعًا في السنوات الأخيرة بظهور الطبقة المتوسطة العالمية القادرة على دفع تكاليف دراسة أطفالهم في الخارج، بنسبة 6.7% في جميع أنحاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2023 إلى 2.1 مليون. وتحظر المملكة المتحدة الآن على طلاب الماجستير إحضار أفراد الأسرة، في حين رفعت أستراليا وكندا الرسوم وحددت أعداد الطلاب. وتتخذ هولندا خطوات مماثلة، مع قواعد جديدة تحد من عدد الدورات التي تُدرس باللغة الإنجليزية.