طاهر بركة في سوريا.. حيثما يكون السبق يكون

لا أبالغ إن قلت إن تغطية "الزلزال" السوري الذي نتج عن سقوط النظام السوري السابق أهم وأشمل وأعمق تجربة صحافية وإعلامية لي في حياتي المهنية، بكل ما لهذه المفردات من معان. إذ اختلطت في هذه المهمة متطلبات الميدان ومستلزمات الأستوديو. غير أن الأمر لم يقتصر على كل ذلك، بل امتزجت فيه مشاعر السوريين الجياشة تجاه حدثهم الجيوسياسي التاريخي وتجاه وجودنا كجسم إعلامي عربي. وكان لا بد من أن نشعر بعاطفتهم تجاهنا، تلك التي لم يبخل علينا أحد بإظهارها بكل عفوية وصدق وفرح.

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

نعم، لقد ظل السوريون يتابعوننا طيلة عمر الأزمة على الأقل لحظة بلحظة رغم الاتهامات التي كان النظام السابق يسوقها ضدنا باعتبارنا "قنوات فتنة وتضليل" اتضح لاحقا، بل ثبت أنها قنوات لم يسمح لها النظام السابق بتغطية واحد بالمئة من المأساة السورية. فهذا الذي يوقف سيارته في عرض الطريق ليلتقط له صورة مع فريق العربية، وهذه التي تقول لنا: "وأخيرا بات بإمكاننا أن نراكم عندنا في الشام"، وهي الكلمة التي يستعاض بها محليًّا عن اسم دمشق، وذلك الذي يريد أن يروي ما حل به من ظلم، وتلك التي فاض بها الكأس لأربعة وخمسين عامًا، وشعرت بأنها خرجت إلى الشمس والحرية والأمل فأمسكت بالميكروفون بإحكام لتطلق ما كبتته لعقود، وتقول إن سوريا كل سوريا كانت سجنًا كبيرًا وليس فقط أبنية السجون والمعتقلات، وأولئك الشباب الذين تنفسوا الصعداء فخرجوا يرفعون أعلام الثورة في وسط دمشق ويغنون وينشدون بأعلى أصواتهم، ما كانوا ليجرؤوا حتى على ذكره علانية.


مشاهد كثيرة حفرت في ذاكرتي إلى الأبد، ولكن أهمها كان دخولي لأول مرة إلى المسجد الأموي في أول صلاة جمعة بعد سقوط النظام السابق. في حقيقة الأمر أنني دخلت على قدمي، ولكني لم أخرج عليهما، بل بحكم موجات الجماهير الحاشدة التي أبت أن تفوِّت عليها هذه الفرصة التاريخية وكثير منهم كانوا يدخلون لأول مرة أو بعد زمن.


أما المشهد الثاني، فكان عند تبليغي بوجود المعتقل الأمريكي أوستن تايس في أحد منازل ريف دمشق، حيث انتقلنا مباشرة في رحلة محفوفة بالكثير من التشويق والمخاطر. شعرت بكل تأكيد بأنني جزء من فيلم أمريكي طويل. اتصالات لمعرفة موقع المنزل، مطاردة السيارات المسرعة التي تحاول البحث عن المنزل، محاولة منعنا ثم السماح لنا بالدخول من قبل عناصر تابعين لإدارة العمليات العسكرية بعد تعرفهم علينا، ومن ثم التصوير مع المعتقل الذي تبين أنه معتقل أمريكي آخر لم يكن مسجلًا كمعتقل هو ترافيس تيمرمان وليس أوستن تايس الذي يظل مصيره مجهولًا حتى لحظة كتابة هذه السطور.


المشهد الثالث كان اللقاء الصحافي التعارفي غير المتوقع مع أحمد الشرع قائد المرحلة الانتقالية في سوريا. لقد كانت فرصة لنا كإعلام عربي أن نتعرف عن قرب على شخصية الرجل وروايته عما حصل ورأيه بالواقع الجديد وتصوره للرؤية المستقبلية لسوريا الجديدة.


أعود إلى الفندق لأجد سيدة أنيقة تجلس في مطعم ويجاورها على الطاولة الأخرى عناصر مسلحة من فصائل إدارة العمليات العسكرية التي سيطرت على دمشق. تهمس زميلتي السورية في أذني: هذه السيدة هي نسيبة أسماء الأسد، سيدة سوريا الأولى سابقًا. أشعر بالذهول. كيف بقيت هنا؟ وكيف سمحوا لها بالبقاء؟ تجيبني في حديث جانبي: لست متورطة بشيء، وقرابتي لها بالدم لا تجعلني متهمة ولم يزعجني أحد منهم إطلاقًا.


لقد ظل النظام والمجتمع الدولي يردد طيلة الأزمة السورية أن الفصائل المسلحة إن حكمت فسترتكب المجازر بشرائح وطوائف وأعراق، لكن ما حصل كان مختلفًا بشكل مستغرب واستثنائي، مقارنة بما كان يمكن أن يحصل. وأقول هذا رغم أننا كجسم إعلامي نظل متمسكين بالإضاءة على بعض التجاوزات والممارسات والانتهاكات وعمليات القتل دون محاكمة، وهي التي قالت تقارير إنها حصلت في مناطق معينة أو حذرت من أنها قد تحصل، لأن أحدًا في سوريا والعالم لا يريد أن يجبر على الاختيار بين قمع وأمن أو حرية وفوضى، ولا بين نظام استبدادي و"علماني" أو نظام حكم جديد غير مدني لا يحفظ حقوق السوريين جميعًا بغض النظر عن تنوعهم الغني الذي يشكل أحد أسرار الشخصية السورية الفريدة.


هي إذًا أيام يضحك فيها السوريون كثيرًا بعد عقود، قال لي أحد ضيوفي إنهم عاشوها بكآبة. ولكن لا يجب أن ننسى، ومن باب المسؤولية لمعالجة أي خطأ قد يرتكب وبسرعة، أننا في بلاد الشام نقول عندما نضحك كثيرًا: "الله يستر من القادم"، آملين أن يكتب التاريخ أن مثل هذه الأمثلة الشعبية لا تصلح لمن يستحق أن يعيش بحرية وكرامة وأمان.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط