شهدت باكستان مؤخرًا ظاهرة جديدة في المشهد السياسي الرقمي، حيث برز الذكاء الاصطناعي، ممثلًا في روبوت المحادثة (غروك) التابع لشركة xAI، كعنصر مؤثر في الخطاب السياسي اليومي.
يستخدم المواطنون الباكستانيون، خصوصًا أنصار حزب (حركة الإنصاف) وحزب )الرابطة الإسلامية - نواز(، غروك بشكل متزايد لطرح أسئلة سياسية حساسة، وتبادل ردوده كحجج داعمة لمواقفهم الحزبية.
ولم تعد هذه الظاهرة مجرد فضول رقمي أو استخدام عابر، بل تحولت إلى ساحة جديدة للصراع السياسي، حيث يُعامَل (غروك) كمرجع رقمي يُفترض فيه الحياد والموثوقية.
ما يلفت الانتباه أن تكرار استخدام (غروك) من قبل أنصار الأحزاب لا يأتي في صيغة واحدة، بل يظهر من خلال سيل من التعليقات والمنشورات التي تُضفي على ردود الذكاء الاصطناعي طابعًا من السلطة الرمزية.
بعض المستخدمين يعتبرون أن غروك (ينصف حزبهم(، بينما يرى آخرون أنه (منحاز)، ما يدل على أن ردوده تُحمَّل أكثر مما تحتمل، وتُحوَّل من مجرد تحليلات لغوية إلى أحكام سياسية.
تقنيًا، يعمل غروك على بنية (النماذج اللغوية الكبيرة)، ويتلقى تدريبه من مصادر متعددة تشمل الإنترنت، مواقع الأخبار، الموسوعات، ومنصات التواصل الاجتماعي.
وما يثير الجدل هو أن هذه النماذج لا تولد الحقائق بذاتها، بل تعيد تركيب المعلومات استنادًا إلى السياق والأنماط المتكررة في البيانات المتاحة.
وقد حذَّر معهد MIT Media Lab في تقرير حديث من أن هذه النماذج عرضة للتحيز السياقي، أي أن ردودها تتأثر بالنبرة السائدة في المحتوى الذي تتلقاه، مما قد يؤدي إلى مخرجات تميل إلى طرف سياسي دون قصد مباشر.
في السياق الباكستاني، يصبح هذا التحدي أكثر تعقيدًا. فبينما ينشط أنصار (حركة الإنصاف) و(الرابطة الإسلامية - نواز) في استخدام (غروك كأداة) لتعزيز الخطاب، يظل (حزب الشعب الباكستاني) غائبًا نسبيًا عن هذا التفاعل.
قد تعود أسباب هذا الغياب إلى قلة نشاط أنصاره على منصات التواصل الاجتماعي، أو إلى ابتعاده المقصود عن هذا النوع من الجدل، أو حتى إلى عدم وجود مادة رقمية كافية عن الحزب ضمن بيانات تدريب (غروك)، ما يجعل ردود الذكاء الاصطناعي حوله ضعيفة أو غير لافتة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الاستخدام السياسي للذكاء الاصطناعي لا يقتصر على باكستان وحدها. ففي الهند، استُخدمت منصات مثل ChatGPT وGemini قبيل الانتخابات لتقييم شخصيات سياسية مثل ناريندرا مودي والمعارضة، بينما اعتمد الأمريكيون خلال الانتخابات على روبوتات الذكاء الاصطناعي لاستنتاجات سريعة حول دونالد ترامب وجو بايدن.
إلا أن ما يميز الحالة الباكستانية هو تعامل الجمهور مع (غروك) كسلطة رأي، وليست مجرد آلة توليد نصوص، مما يضفي على ردوده وزنًا يتجاوز قدراته التقنية.
إذا استمر هذا الاتجاه، فإن مستقبل السياسة والإعلام وتشكيل الرأي العام سيشهد تحولات جذرية، وسيصبح روبوت الذكاء الاصطناعي جزءًا من ماكينة صناعة القرار السياسي، وسيتحول الإعلام التقليدي إلى من ينقل ردود الذكاء الاصطناعي بوصفها (حقائق)، وستتشكل قناعات الناخبين بناءً على ما يقوله (غروك) لا ما يقوله السياسيون أنفسهم، وهي صورة ناشئة لرأي عام رقمي يُصاغ في كواليس الخوارزميات لا في ميادين الفكر والنقاش.
هذه الظاهرة تمثل من جهة قوة الذكاء الاصطناعي في دخول مجالات غير متوقعة، ومن جهة أخرى خطرًا على الوعي المجتمعي إذا تُركت دون رقابة، ويبقى السؤال: هل تستطيع الأحزاب السياسية والإعلام والجمهور التعامل مع هذه الأدوات بوعي ومسؤولية؟ أم أننا في طريقنا إلى تسليم النقاش السياسي إلى خوارزميات قد لا تفهم الحقيقة، ولكنها تُقنِع بها.