وسط أزمة ديموغرافية تهدد مستقبلها الاقتصادي، أطلقت الصين سلسلة من الحوافز المالية لتشجيع الإنجاب، وسط تساؤلات حول مدى استعداد الشركات لمواكبة جيل جديد من الآباء: جيل "زِد" الرقمي، الانتقائي، والأكثر تطلباً.
من الحفاضات إلى تطبيقات البرمجة، يشهد سوق رعاية الأطفال في الصين الذي يُتوقع أن يبلغ حجمه نحو 645 مليار دولار العام المقبل — تحولات جذرية في سلوك المستهلكين، يقودها آباء شباب لديهم نظرة مختلفة تماماً للتربية والإنفاق.
جيل الآباء الجديد في الصين يتميز بكونه أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر اعتماداً على التكنولوجيا، وأقل تقليدية في أساليب التربية.
قال رئيس شركة "ماكينزي" في الصين الكبرى، جو نغاي: "هؤلاء الآباء يفضلون الإنفاق على تجارب أطفالهم، مثل دروس الغولف ورحلات التزلج، أكثر من شراء المنتجات التقليدية".
هذا التوجه يخلق سوقاً أكثر تميزاً، تستفيد منه الشركات التي تقدم برامج إثرائية، وأنشطة خارجية، وسفر عائلي.
رغم انخفاض الولادات.. السوق لا يزال مغرياً
ورغم تراجع معدلات الخصوبة، لا تزال الصين تسجل عدد مواليد يفوق بثلاثة أضعاف نظيره في الولايات المتحدة، ما يجعل سوق رعاية الأطفال فيها هدفاً لا يمكن تجاهله.
وفقاً لتقرير صادر عن شركة iResearch، فإن سوق الأمومة والطفولة في الصين ينمو بمعدل سنوي يبلغ 7%، ومن المتوقع أن يصل إلى 4.63 تريليون يوان بحلول عام 2025، بحسب ما ذكرته شبكة "CNBC"، واطلعت عليه "العربية Business".
من الحفاضات إلى التطبيقات الذكية
التحفيز الحكومي بدأ ينعكس على مبيعات المنتجات الأساسية مثل الحليب الصناعي وعربات الأطفال، لكنه يمتد تدريجياً إلى مجالات أوسع مثل الرعاية الصحية للأطفال، التعليم المبكر، التأمينات، والخدمات الرقمية المخصصة للعائلات.
قال مدير شركة "آسيا غروب" في الصين، هان شين لين: "اليوم نتحدث عن الحليب والعربات، وغداً عن التعليم الخاص والسفر العائلي، وصولاً إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأدوات الذكية للتربية".
آباء أكثر وعياً.. وأسواق أكثر تحدياً
لا يشتري جيل الآباء الجديد بسهولة، حيث يقارنون، ويقرأون التقييمات، ويطالبون بالشفافية، خصوصاً في المنتجات الغذائية. ويرى آندي لي من شركة "أوليفر وايمان"، أن الآباء الجدد أكثر تدقيقاً، ولم يعد يكفي أن تقدم منتجاً جيداً، بل يجب أن تشرح لماذا هو الأفضل.
هذا الوعي يعيد إلى الأذهان فضيحة الحليب الملوث عام 2008، التي لا تزال تؤثر على ثقة المستهلكين، ويدفع الكثير منهم لتفضيل العلامات التجارية الأجنبية.
غضب رقمي بعد رفع الأسعار
بعد إعلان الحكومة عن دعم مالي جديد بقيمة 3,600 يوان سنوياً لكل طفل دون سن الثالثة، سارعت بعض الشركات المحلية إلى رفع الأسعار، ما أثار موجة غضب على مواقع التواصل.
ارتفع سعر مناديل أطفال من 39 إلى 119 يوان في يوم واحد، وقفز سعر مسحوق حليب محلي بنسبة 50%، ما دفع المستخدمين لاتهام الشركات بـ"نهب الدعم قبل وصوله"، ودعوا إلى مقاطعتها.
رغم الدعم المالي، لا تزال التحديات كبيرة. فتكلفة تربية طفل حتى سن 18 في الصين تعادل 6.3 ضعف متوسط دخل الفرد السنوي، مقارنة بـ4.1 ضعف في الولايات المتحدة. كما أن الزواج نفسه أصبح أقل شعبية، حيث سجلت الصين العام الماضي أدنى معدل زواج منذ نصف قرن.
بينما تواجه النساء المتعلمات في المدن الكبرى خيارات صعبة بين العمل، الأمومة، ورعاية الوالدين المسنين، ما يجعل الحوافز المالية غير كافية لتغيير الواقع.
في النهاية، تراهن الحكومة الصينية على أن القليل من المال الإضافي في جيب الآباء قد يحفّز الإنفاق، ويمنح معدلات الولادة دفعة مؤقتة — حتى لو لم يحقق طفرة ديموغرافية.