يعيش السودان واحدة من أكبر أزماته الاقتصادية والسياسية التي أدت إلى انزلاق البلاد لمستوى غير مسبوق من الفقر والبطالة وانهيار العملة وتدهور الخدمات العامة بسبب الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
ورغم الصعوبات التي تواجهها الحكومة السودانية في المناطق التي تخضع لسيطرة الجيش السوداني، إلا أنها بدأت تنفيذ خطط لـ "إعادة الإعمار" حتى لو كان منقوصًا ولا يشمل جميع القطاعات التي يحتاج إليها السكان الذين عانوا من النزوح والتهجير منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.
حمى تجارة الذهب المسروق تجتاح العالم.. ما الذي يجري؟
خطة الحكومة السودانية تشمل تنفيذ مشروعات للبنية التحتية في عدد من الولايات السودانية، مع البدء في زيادة مساحات الأراضي المزروعة في الموسم الشتوي المقبل، وتنفيذ مشروعات إنتاجية صغيرة لمكافحة الفقر.
وفي القطاع المالي والنقدي بدأ "البنك المركزي السوداني" تنفيذ إجراءات للسيطرة على تراجع سعر الجنيه السوداني غير المسبوق أمام العملات الأجنبية، بالإضافة إلى إعادة تنظيم القطاع المصرفي وإصدار عملات جديدة والحد من تداول العملات المزورة.
كما يتم العمل على تنظيم قطاع الذهب الذي يعتبر المصدر الرئيسي للعملة الصعبة في السودان وسط انتشار لعمليات التهريب والتنقيب غير القانوني عن المعدن الأصفر.
دعم دولي لإعادة الإعمار
لجأت الحكومة السودانية إلى تركيا لبدء مرحلة من التعاون في تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار في المدن السودانية وعلى رأسها العاصمة الخرطوم.
والتقى وزير الدولة بوزارة المالية السودانية محمد نور عبدالدائم، مع والي أنقرة واصب شاهين، لبحث الاستفادة من الخبرات التركية في مجالات التخطيط الحضري، وإدارة النفايات، والطاقة المتجددة، وصيانة البنى التحتية والمباني الحكومية، في إطار الجهود الوطنية الرامية لإعادة الإعمار وتهيئة المدن لعودة المواطنين.
ويمتد التعاون إلى مجالات النظافة من الأنقاض، والمحولات الكهربائية والطاقة الشمسية، والتخطيط العمراني، إلى جانب إعادة تأهيل الكباري والمرافق العامة التي تأثرت جراء الحرب.
كما بحثت الحكومة السودانية مع وفد "بنك التكنولوجيا التابع للأمم المتحدة" إعادة تأهيل المؤسسات الحكومية، وتطوير البنية الرقمية، وتعزيز القدرات التكنولوجية للسودان في مرحلة إعادة البناء، بالإضافة إلى إمكانية دعم مشاريع البنية التحتية الحيوية في ولاية الخرطوم.
وتحظى العاصمة الخرطوم باهتمام حكومي كبير مع استمرار العودة المتزايدة للسكان إلى العاصمة رغم الدمار الواسع الذي خلفته الحرب، والذي طال المستشفيات، ومحطات المياه، والمشاريع الحيوية.
كما أعلن "بنك أم درمان الوطني" عن إطلاق خطة تمويلية كبرى تستهدف عددًا من المشروعات التنموية ذات الأثر المباشر في حياة المواطنين بولاية سنار في السودان.
وقال البنك، إن خطة التمويلات تستهدف تنفيذ مشروعات حيوية لتعزيز التنمية، منها المشروعات الزراعية لزيادة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي، ومبادرات الطاقة البديلة والمتجددة لضمان استدامة إمدادات الطاقة، وتنفيذ مشروعات الطرق الداخلية لتحسين شبكة المواصلات والبنية التحتية.
دعم العملة السودانية
قرر "بنك السودان المركزي" إصدار فئات جديدة من العملات الورقية في محاولة للسيطرة على تراجع سعر صرف الجنيه السوداني وانتشار العملات المزورة في الأسواق السودانية.
وتم إصدار ورقة نقدية جديدة من فئة الألفي جنيه، وذلك بموجب أحكام قانون البنك واستناداً إلى سلطاته في حماية العملة الوطنية وتحقيق استقرار سعر صرفها، بالإضافة إلى ورقة نقدية جديدة من فئة الخمسمائة جنيه.
وفي منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبدالفتاح البرهان، قراراً بإعفاء برعي الصديق علي أحمد من منصبه كمحافظ لبنك السودان المركزي، وتعيين آمنة ميرغني حسن التوم، في منصب محافظ بنك السودان.
وجاء القرار في ظل أزمة كبيرة يعيشها الاقتصاد السوداني والتي أثرت على القطاع المصرفي في البلاد، ما أدى إلى تدهور سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية.
وتراجع سعر الجنيه السوداني إلى مستوى 3800 جنيه للدولار في السوق الموازية، مقابل نحو 560 جنيهًا قبل الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023.
وتعاني الأسواق السودانية من عجز حاد في السيولة الدولارية ما أدى إلى ارتفاع أسعار الواردات الأساسية مثل الغذاء والوقود والأدوية لمستويات قياسية.
ويعتبر نفوذ "البنك المركزي السوداني" محدودًا في ظل انهيار جزء كبير من النظام المالي، حيث يعتمد معظم السودانيين على السوق الموازية للعملة.
تنظيم قطاع الذهب
شهد قطاع الذهب في السودان تدهورًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، حيث انتشرت عمليات التنقيب غير القانونية وتراجع عدد الشركات العاملة في السوق الرسمية، ما حرم السودان من موارد مالية كبيرة خاصة مع الارتفاعات القياسية لسعر المعدن الأصفر في الأسواق العالمية.
وقال مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية محمد طاهر، إن النتائج الأولية لمراجعة الشراكات القائمة مع شركات التعدين أظهرت أن عدد الشركات المنتجة فعليًا للذهب في السودان لا يتجاوز 13 شركة من أصل أكثر من 100 شركة مسجلة في القطاع.
وأكد طاهر أن قطاع التعدين التقليدي يواجه تحديات جسيمة منذ اندلاع الحرب، حيث دخلت إليه جهات متعددة بصورة غير منظمة، ما أدى إلى إنشاء مصانع ومشروعات تعدين دون الالتزام بالضوابط القانونية والبيئية.
وأضاف أن هذه الممارسات انعكست سلبًا على الاقتصاد الوطني والبيئة في عدد من الولايات السودانية، لافتًا إلى أن بعض العاملين استغلوا غطاء التعدين التقليدي لممارسة أنشطة لا علاقة لها بالمجال.
وأوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات جادة لإعادة تنظيم القطاع وضبط الأداء بما يضمن استدامة الموارد المعدنية وتعظيم عائداتها لصالح خزينة الدولة.
ويستهدف السودان الوصول إلى إنتاج 80 طنًا من الذهب بنهاية العام الحالي، مع توقعات بأن تصل العوائد إلى نحو 3 مليارات دولار.
وقال طاهر إن إنتاج السودان من الذهب في عام 2024 تجاوز 64 طنًا، فيما بلغ إنتاج النصف الأول من عام 2025 أكثر من 37 طنًا، ما يعكس زيادة مطردة في وتيرة الإنتاج.
وأشار إلى أن عام 2024 شهد طفرة كبيرة في قطاع التعدين رغم ظروف الحرب التي تمر بها البلاد، مرجعًا ذلك إلى أن الولايات التي تحتضن النشاط التعديني الرئيسي هي من الولايات الآمنة، كما أن رؤوس أموال كثيرة، فقدت نشاطها في مناطق أخرى، اتجهت إلى الاستثمار في قطاع التعدين، خاصة الشركات الوطنية الكبرى.
مكافحة الفقر في السودان
ارتفعت معدلات الفقر في السودان لمستويات قياسية حيث قفزت من 21% إلى 71%، وفقًا لتصريحات وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية السوداني، معتصم آدم.
وقال آدم إن نحو 23 مليون مواطن سوداني يعيشون حاليًا تحت خط الفقر نتيجة الحرب الدائرة وما تبعها من أزمات اقتصادية خانقة.
ورغم ذلك، بدأت الحكومة تنفيذ خطة للتوسع في المشروعات الإنتاجية في محاولة للسيطرة على ارتفاع معدلات الفقر وتوفير فرص عمل جديدة للأسر التي عانت لسنوات من النزوح والتهجير.
وأوضح آدم أنه سيتم تنفيذ مشروعات إنتاجية بدعم من المؤسسات الحكومية ومنها "ديوان الزكاة" و"مفوضية خفض الفقر"، وذلك لإخراج المواطنين من دائرة الفقر إلى مرحلة الإنتاج.
وتابع: "نعمل على تنسيق الجهود مع المؤسسات الوطنية والدولية لتخفيف حدة الأزمة، مع التركيز على الفئات الأكثر هشاشة، في ظل التحديات التي تواجه السودان على المستويين الاجتماعي والاقتصادي".
ويأتي ذلك في ظل بدء العودة التدريجية للخدمات العامة في عدد من الولايات السودانية ومنها العاصمة الخرطوم، حيث شهدت عدد من الأحياء الكبرى إعادة فتح المحال التجارية وانتظام التيار الكهربائي بعد فترة من الانقطاع، بالإضافة إلى استقرار إمدادات الوقود وغاز الطبخ في المنافذ الخدمية.
التوسع في قطاع الزراعة
بدأت الحكومة السودانية تنفيذ خطة لزيادة مساحات الأراضي الزراعية في الموسم الشتوي، حيث أعلن محافظ مشروع "الجزيرة" في السودان، إبراهيم مصطفى، عن خطة لزراعة 400 ألف فدان من القمح بتمويل مباشر من وزارة المالية الاتحادية عبر "البنك الزراعي السوداني".
ويقع مشروع "الجزيرة" الزراعي في منطقة الوسط بين النيلين الأزرق والأبيض، ويعد من أكبر المشاريع الزراعية على مستوى العالم حيث تصل مساحته إلى 2.2 مليون فدان.
ودعا المحافظ المزارعين إلى مراجعة "البنك الزراعي" لاستلام مدخلات الإنتاج اللازمة، مؤكداً أن الترتيبات المالية والإدارية اكتملت لضمان انطلاق الموسم الزراعي في موعده المحدد.
وتأتي هذه الخطوات في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن الغذائي وزيادة إنتاج القمح باعتباره محصولاً استراتيجيًا في السودان.