بعد أشهر من السيطرة.. السوق المصرية تواجه موجة جديدة من نواقص الأدوية

مطالب بإعادة النظر في الأسعار وتوطين صناعة المنتجات المستوردة

المصدر: القاهرة – العربية Business
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

بدأت بوادر أزمة جديدة تلوح في الأفق مع تجدد غياب عشرات أصناف الأدوية من الصيدليات المصرية منذ قرابة شهر، بحسب صيادلة ورؤساء شركات، على الرغم من نجاح الحكومة المصرية في السيطرة على أزمة نقص الأدوية قبل عدة أشهر، عبر زيادة أسعار مئات المستحضرات.

وأظهرت جولة لـ"العربية Business" شملت عدة صيدليات في نطاق القاهرة، نقصاً محسوساً في عدد من الأصناف الدوائية المحلية والمستوردة، المعالجة لأمراض القلب والسكر والأورام والغدة الدرقية والفوارات والملينات والبرد والمرارة بالإضافة إلى بعض الأدوية النفسية.

وقال صيدلي يُدعى محمد بدوي، مالك صيدلية بالقاهرة، إن بعض شركات توزيع الأدوية بدأت منذ أسابيع صرف عدد من المستحضرات الناقصة للصيدليات بنظام الكوتة، لتجنب اختفائها تماماً من الصيدليات.

أشار بدوي إلى وجود بدائل لعدد من الأدوية الناقصة، لكن في الوقت نفسه اختفت بعض الأدوية وبدائلها، وهو الأمر الذي أحدث حالة من القلق والخوف من عودة أزمة النواقص التي تم تجاوزها بصعوبة منذ أشهر قليلة.

"لم تخبرنا الشركات بأسباب نقص أدوية محددة، لكننا اعتدنا على نقص بعض الأصناف ثم توفيرها مرة أخرى بعد زيادة أسعارها"، وفق بدوي.

واتفق معه صيدلي يُدعى إبراهيم رأفت، مالك صيدلية بالقاهرة، وقال إن الأسابيع الأخيرة شهدت نقص بعض الأصناف الدوائية التي تحظى بثقة الأطباء ويتم وصفها بشكل متكرر للمرضى.

وأضاف: "بعض الأصناف لها بدائل يمكن أن تلبي احتياجات المرضى، لكن في الوقت نفسه اختفت أصناف مع نقص بدائلها أيضاً".

"الأطباء يحددون للمرضى أدوية بالاسم التجاري، وعند نقص تلك المستحضرات وتراكم الطلب عليها تظهر الأزمة، وحتى بعد توفر النواقص تظل الأزمة قائمة بسبب سلوكيات المرضى، والذين يقبلون على شراء تلك الأدوية بكميات أعلى من الحاجة كإجراء تأميني خوفاً من نقصها مرة أخرى"، وفق رأفت.

وعزى الصيدلي تكرار أزمات نقص الدواء في السوق المصرية لعدة أسباب، الأول رغبة الشركات المستمرة في زيادة الأسعار مع كل تغيّر في تكاليف الإنتاج، والثاني إصرار الأطباء على وصف الدواء للمرضى بالاسم التجاري، والثالث سلوك المرضى في التعامل مع الأدوية الناقصة وعدم تقبل البدائل والمثائل التي يقترحها الصيدلي.

معضلة نقص الأدوية

قال عضو مجلس إدارة غرفة صناعة الأدوية باتحاد الصناعات المصرية، محمد غنيم، إن السبب الرئيسي لنقص الأدوية في مصر يتعلق دائماً بأسعار المستحضرات المحددة بشكل جبري.

وأضاف غنيم لـ"العربية Business"، أن الشركات باعتبارها كيانات اقتصادية، تتوقف عن إنتاج المستحضرات التي لا تستطيع أن تحقق أرباح من خلالها، لحين ضبط معادلة تسعيرها.

ولم يحدد غنيم عدد الأدوية الناقصة في السوق المصرية حالياً، لكن رئيس شعبة الدواء باتحاد الغرف التجارية في مصر، علي عوف، قدرها في وقت سابق، بما يتراوح بين 200 و250 مستحضراً.

وأشار غنيم، إلى أن هيئة الدواء المصرية العام الماضي رفعت أسعار مجموعة كبيرة من الأدوية بعد قرار البنك المركزي المصري بتحرير سعر الصرف، لكن تلك الزيادات لم تغط جميع المستحضرات، فأصبح هناك أدوية تحقق مكاسب مناسبة، وأخرى ما زالت في نطاق الخسارة.

ونوه إلى تضرر عدد كبير من الأدوية التي لم تشملها الزيادة، جراء زيادة مختلف عناصر التكلفة، وفي مقدمتها سعر الصرف، والأجور، والطاقة، والمياه، والنقل، والتأمينات خلال الفترة الماضية.

"موجة رفع الأسعار السابقة لم تكن كافية للشركات، لكنها ساهمت بشكل كبير في القضاء على أزمة نقص الدواء التي ضربت السوق المصرية العام الماضي"، بحسب غنيم.

وأضاف: هناك أصناف دوائية تحتاج إلى زيادة أسعار حالياً ولو بنسب أقل من موجة رفع الأسعار السابقة، لكن زيادة السعر سيضمن استمرار الشركات في الإنتاج.

زيادة الأسعار مطلب دائم

أشار غنيم إلى أن غرفة صناعة الأدوية طالبت هيئة الدواء المصرية مؤخراً بإعادة النظر في أسعار الأدوية التي تحقق خسائر للشركات نتيجة ارتفاع تكاليف إنتاجها عن سعر بيعها للجمهور، وأن الأخيرة أبلغتها بدعوة الشركات لتقديم طلبات بتلك المستحضرات لدراستها، وتحديد ما إذا كانت تستحق الزيادة من عدمه.

وقال غنيم إن الزيادة المطلوبة لا يجب أن تنفذ كما حدث في المرة السابقة والتي شملت مجموعة كبيرة من الأدوية، حددتها الشركات بناء على حجم مبيعاتها منها، وليس مدى احتياج السوق لها.

"موجة زيادة الأسعار السابقة ربما شملت مستحضرات تحقق مكاسب للشركات ولا تتطلب الزيادة التي حدثت، وفي الوقت نفسه لم تشمل أدوية كانت تحتاج لزيادة عاجلة في ظل ارتفاع تكاليف إنتاجها"، وفق غنيم.

واعتبر عضو مجلس إدارة الغرفة أن توفير الدواء بعد زيادته بنسبة مقبولة (تراعي تغيّر التكلفة) أفضل للمريض من اختفاء الدواء بشكل كامل.

كانت هيئة الدواء المصرية وافقت على تحريك نحو 2500 دواء منتصف العام الماضي، بعد قرار البنك المركزي المصري بتحرير سعر الصرف في مارس من العام نفسه، بحسب ما قال رئيس غرفة الدواء باتحاد الصناعات المصرية جمال الليثي لـ "العربية Business" في وقت سابق.

وقبل أيام، قال رئيس هيئة الدواء المصرية علي الغمراوي، في تصريحات على هامش مؤتمر حضرته "العربية Business"، إن الفترة الحالية لن تشهد أي زيادة في أسعار الدواء، في ظل استقرار سعر الدولار وتراجع معدلات الفائدة.

وأضاف الغمراوي أن الهيئة إذا قامت بتحريك أسعار الأدوية، فستكون الحركة بالخفض وليس بالزيادة، في ظل تحسن العناصر الرئيسية المؤثرة في تكاليف الإنتاج.

ارتفاع أسعار الخامات

من جانبه، قال مسؤول بالمجلس التصديري للصناعات الطبية في مصر، إن الشركة التي يترأسها، قدمت مؤخراً طلباً لهيئة الدواء المصرية لتحريك أسعار 10% من محفظة منتجاتها بنسبة تصل 30%، لتجنب نقصها مع ارتفاع تكاليف إنتاجها وزيادة أسعار الخامات.

وأضاف أن أسعار الأدوية تعد السبب الرئيسي والدائم لأزمة نقص الدواء، لكن في الوقت نفسه توجد أسباب أخرى قد تؤدي إلى المشكلة في مقدمتها تأخر عمليات استيراد المواد الخام من الصين والهند، إضافة إلى بعض التحديثات الدورية لبعض خطوط الإنتاج.

وأضاف أن جزء كبير من الأدوية الناقصة مستوردة تامة الصنع، وأن أي تأخير في عمليات الاستيراد يخلق أزمة فورية، خاصة أن الأدوية المستوردة غالباً ما تصنّف ضمن الأدوية المنقذة للحياة، والتي ليس لها بدائل محلية.

وأشار إلى استقرار عمليات توريد الخامات الدوائية لمصر منذ قرار البنك المركزي المصري بتحرير سعر الصرف العام الماضي، مؤكداً أن نقص الدواء حالياً لا علاقة له بتدبير الدولار الذي بات متوفراً جداً في البنوك المصرية.

وأضاف أن أسعار الخامات الدوائية الواردة من الهند والصين مستقرة منذ نحو عامين، لكن ارتفاع سعر الدولار في مصر هو ما رفع تكلفة استيرادها على الشركات، وقد يتسبب في تعطيل عمليات استيرادها.

سوء توزيع الأدوية

وقال رئيس مجلس إدارة شركة إيبيكو المصرية للأدوية، أحمد كيلاني، إن 99% من الأدوية المتداولة في السوق المصرية متوفرة، وأن الشركات مستمرة في إنتاجها بشكل طبيعي.

وأضاف كيلاني لـ"العربية Business" أن نقص بعض الأدوية في الصيدليات ربما يعود إلى سوء التوزيع من شركات التوزيع على مختلف الصيدليات، بجانب تقصير بعض الصيدليات في البحث عن الأدوية الناقصة بداخلها.

"في بعض الأحيان قد يحدث تأخير في إنتاج بعض الأصناف من قِبل الشركات، لكن هذا الأمر لا يستغرق سوى عدة أيام ويتم توفير الأصناف مرة أخرى"، وفق كيلاني.

توطين الدواء

من جهته، قال رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة صيادلة القاهرة، محفوظ رمزي، إن مصر تسير بخطوات ثابتة منذ 5 سنوات لتوطين مئات الأدوية التي ليس لها بدائل محلية، في خطوة تستهدف تقليل الفاتورة الاستيرادية من جهة، ووضع حد لنقص الأدوية.

وأوضح رمزي لـ"العربية Business" أن تصنيع الأدوية المستوردة محلياً عبر اتفاقيات التوطين، يخفض تكلفة شراء الدواء بنسبة تتراوح بين 50 و70%.

"مصر تتوسع حالياً في توطين أدوية الأورام ومشتقات الدم والأدوية البيولوجية واللقاحات، كل هذه المستحضرات ستسهم في خفض الفاتورة الاستيرادية مستقبلاً من مستوى ملياري دولار حالياً لنحو 500 مليون دولار فقط"، وفق محفوظ.

وقدر رئيس لجنة التصنيع الدوائي حجم استهلاك الدواء في مصر بنحو 4 مليار عبوة، ينتج 93% منها محلياً، فيما تستورد النسبة المتبقية، والتي غالباً ما تكون باهظة الثمن.

قبل أيام، قال رئيس هيئة الدواء المصرية، علي الغمراوي، في مؤتمر صحافي إن الحكومة المصرية نجحت خلال الفترة الماضية في توطين 208 أدوية كانت تتجاوز فاتورتها الاستيرادية 700 مليون دولار.

وتسعى مصر لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي من الأدوية إلى 94% خلال سنوات قليلة، بالتزامن مع جهود الحكومة للتوسع في عمليات التوطين، وفق الغمراوي.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط