"صنع بالذكاء الاصطناعي".. هل حقاً مهتم بمعرفة الفارق؟

تجربة صناعة ألعاب الفيديو تشير إلى أن الشفافية حول استخدام AI لن تكون سهلة

المصدر: الرياض - العربية Business
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

طرحت الكاتبة في "فاينانشال تايمز" سارة أوكونر تساؤلاً فلسفياً حول مدى ضرورة الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، سواء كان ذلك محتوى مقروء أو مسموع، أو أكواد برمجية.

وبحسب أوكونر، فإن التمييز بين البشر والذكاء الاصطناعي تتزايد صعوبة، لدرجة أن البعض لا يمكنه التأكد من هذه المقالة نفسها، هل كتبها إنسان، أو كيف يمكن التأكد فعلياً من ذلك على الأقل.

ومع ظهور هذه المشكلة بوضوح مؤخراً بدأت تظهر مجموعة واسعة من "الحلول" المختلفة، بعضها أكثر تشاؤماً من غيرها. ينشر المؤلفون مقاطع فيديو لأنفسهم وهم يكتبون كتبهم في الوقت الفعلي لإثبات أنهم لا يستخدمون نماذج لغوية ضخمة. بينما ابتكر سام ألتمان جهازاً يُسمى "الكرة" (The Orb) يُؤكد أنك إنسان فريد من نوعه من خلال مسح عينيك.

وبموجب قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي، سيتعين تصنيف أنواع معينة من المحتوى المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي على هذا النحو بدءاً من العام المقبل.

لكن النقاش الأكثر إثارة للاهتمام حول هذا الموضوع يدور في صناعة ألعاب الفيديو، حيث يتكشف حوار سيحتاج الكثيرون منا على الأرجح إلى خوضه قريباً.

في يناير 2024، بدأ متجر "Steam"، وهو المتجر الرقمي الأبرز لألعاب الكمبيوتر، بإلزام المطورين بالإفصاح عما إذا كانوا قد استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير ألعابهم، وكيفية استخدامها. ووفقاً لإيتشيرو لامب، الخبير المخضرم في صناعة الألعاب والذي يتابع اتجاهات الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، فقد أفصح حوالي 1000 لعبة عن استخدامها للذكاء الاصطناعي التوليدي بحلول أبريل 2024. وقد ارتفع هذا العدد بشكل كبير ليصل إلى أكثر من 11000 لعبة، أي ما يقارب 9% من مكتبة "ستيم" بأكملها.

ووفقاً للإفصاحات، يستخدم المطورون الذكاء الاصطناعي في مجموعة واسعة من المهام، بدءاً من المساعدة في البرمجة والمواد التسويقية، وصولاً إلى توليد العناصر المرئية، والقوام، والموسيقى الخلفية، وأصوات الشخصيات باستخدام أدوات تحويل النص إلى كلام.

لكن بعض العاملين في هذا المجال بدأوا يعترضون على فكرة تصنيف استخدام الذكاء الاصطناعي برمتها.

إحدى الحجج هي أن هذه التصنيفات أصبحت بلا معنى لأن استخدام الذكاء الاصطناعي بات شائعاً جداً في عملية التطوير. كتب تيم سويني، الرئيس التنفيذي لشركة "إيبك غيمز"، مطورة لعبة فورتنايت الشهيرة، مؤخراً على موقع "X" أن تصنيف الذكاء الاصطناعي "غير منطقي بالنسبة لمتاجر الألعاب، حيث سيُستخدم الذكاء الاصطناعي في جميع مراحل الإنتاج تقريباً".


وثمة شكوى أخرى تتمثل في استحالة التحقق من صدق المستخدمين بشأن استخدامهم للذكاء الاصطناعي، مما يحوله إلى "ضريبة نزاهة" على من يفصحون عنه.

من المؤكد أن بعض الناس لا يكترثون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الألعاب، بينما يبدي آخرون اعتراضاً شديداً عليه. يعتقد بعض هؤلاء المعترضين أن استخدام الذكاء الاصطناعي مؤشر على قلة الجهد أو رداءة الجودة. ويعترض آخرون على طريقة تدريب نماذج التعلم الآلي على محتوى من صنع البشر دون إذن. ويرى البعض أن ذلك يؤدي إلى فقدان وظائف المطورين والفنانين ومؤدي الأصوات.

تشير استطلاعات الرأي إلى وجود انقسام مماثل بين الجمهور فيما يتعلق بمشاركة الذكاء الاصطناعي في الفن والموسيقى. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة بيو أن 49% من الأميركيين سيقل إعجابهم بلوحة فنية أعجبتهم إذا علموا أنها من صنع الذكاء الاصطناعي، بينما قال 48% إن آراءهم لن تتغير. ومن المثير للاهتمام أن الشباب أبدوا رد فعل أكثر سلبية تجاه الذكاء الاصطناعي: إذ قال 66% من البالغين دون سن الثلاثين إنهم سيقل إعجابهم بلوحة فنية إذا علموا أنها من صنع الذكاء الاصطناعي، مقارنةً بـ 36% من الأميركيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر.

في عالم لا يكترث فيه البعض بمصدر المحتوى، بينما يهتم به آخرون بشدة، تبدو الشفافية من حيث المبدأ حلاً جيداً. فكما هو الحال مع من يرغبون بتجنب مكونات معينة في طعامهم، تُعدّ الملصقات مفيدة لمن يريدون معرفة ذلك، ويمكن تجاهلها ببساطة من قِبل من لا يرغبون.

تتمثل الميزة الأخرى للشفافية في أنها تخلق سوقاً للمحترفين المبدعين: فإذا كانت هناك نسبة كبيرة من العملاء يرغبون في الاستمرار باستهلاك المحتوى الذي يصنعه البشر، فيجب أن يكونوا قادرين على تمييزه، وإلا سيخسر كل من المبدعين والمستهلكين. في الواقع، مع ازدياد انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن تصور وضع علامات "صُنع بواسطة بشر" على المنتجات الإبداعية، على غرار نظام التجارة العادلة.

لكن تجربة صناعة ألعاب الفيديو تشير إلى أن الأمر لن يكون بهذه البساطة.

أخبرني لامب: "يكمن التحدي في أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس بالضرورة خياراً". ففي أحد طرفي النقيض، قد تجد مطوراً استخدم برنامج Midjourney لإنشاء جميع صور اللعبة. وفي الطرف الآخر، قد تجد شخصاً طلب المشورة من ChatGPT حول كيفية حل خطأ برمجي. هل يهتم المستهلكون حقاً بكلا الخيارين بنفس القدر؟ أين يكمن الحد الفاصل؟ وماذا لو تغير هذا الحد بمرور الوقت؟

وأضاف: "أعتقد أن الجودة والوضوح أمران بالغا الأهمية". "غالباً ما يكون الفن الذي يتم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي واضحاً جداً ويسهل تمييزه، [لكن] يبدو أن مطوري الألعاب والمستهلكين أكثر استعداداً لقبول البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي."

رأى لامب أن الحل الأمثل قد يكمن في تبني تصنيف أكثر تفصيلاً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في عملية التطوير، لتمكين الناس من تحديد ما يريحهم وما يرغبون بتجنبه، والتحدث عنه.

إن الشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي حل بشري معقد لا يُمكن تصنيفه إلى تصنيفات قاطعة. ولكن طالما أن نسبة كبيرة من الناس تهتم بمعرفة ما إذا كانت المنتجات الإبداعية من صنع البشر أم الآلات، فمن المؤكد أن هذا أفضل من التخلي عن الفكرة تماماً. أو يمكننا أن نغامر مع "ذا أورب".

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط