في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية عميقة، أقر مجلس الوزراء السعودي، برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلغاء المقابل المالي المفروض على العمالة الوافدة في المنشآت الصناعية المرخصة؛ في قرار يعكس تحولاً محسوباً في أدوات دعم القطاع الصناعي، ويؤكد موقع الصناعة كأحد أعمدة التحول الاقتصادي ضمن رؤية السعودية 2030.
قرار يتجاوز الإعفاء.. إلى إعادة هندسة التنافسية
لا يمكن قراءة إلغاء المقابل المالي بوصفه مجرد تخفيف أعباء مالية، بل يأتي ضمن رؤية أوسع لإعادة هندسة تنافسية الصناعة السعودية على المستويين الإقليمي والعالمي. ويستهدف القرار خفض التكاليف التشغيلية للمصانع، بما يتيح لها توجيه الموارد نحو التوسع، ورفع الإنتاجية، وتبني تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، من الأتمتة إلى الذكاء الاصطناعي.
وخلال السنوات الست الماضية، تحملت الدولة هذا المقابل نيابة عن المصانع، وهو ما أثبت جدواه بالأرقام، مما شجع على الانتقال من مرحلة الإعفاء المؤقت إلى الإلغاء الكامل، كخيار استراتيجي طويل الأمد.
6 أرقام تشرح الدوافع
النتائج التي حققها القطاع الصناعي خلال فترة الإعفاء السابقة شكلت الأساس الصلب للقرار؛ فمنذ عام 2019 وحتى نهاية عام 2024، ارتفع عدد المنشآت الصناعية من 8,822 مصنعاً إلى أكثر من 12 ألف منشأة، وزادت الاستثمارات الصناعية بنسبة 35% لتصل إلى 1.22 تريليون ريال.
كما نمت الصادرات غير النفطية من السعودية بنسبة 16% لتبلغ 217 مليار ريال، وقفز عدد الوظائف الصناعية بنسبة 74% إلى 847 ألف موظف. وارتفعت نسبة التوطين من 29% إلى 31%، فيما نما الناتج المحلي الصناعي بنسبة 56% متجاوزاً 501 مليار ريال.
أكدت هذه المؤشرات أن دعم التكاليف لم يأت على حساب التوطين أو الكفاءة، بل ساهم في توسيع القاعدة الصناعية وزيادة قدرتها على خلق وظائف نوعية.
دعم المصانع الصغيرة والمتوسطة
أحد أبرز أسباب إلغاء المقابل المالي يتمثل في دعم المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة، التي غالباً ما تواجه ضغوطاً أعلى في التكاليف مقارنة بالشركات الكبرى. ويعد القرار بمثابة شبكة أمان تضمن استمرارية هذه المنشآت، وتحفزها على الاستثمار في التقنيات الحديثة، بدلاً من استنزاف السيولة في المصروفات التشغيلية.
وتشير تقديرات إلى أن نحو 10 آلاف مصنع يعمل بها قرابة 1.4 مليون موظف سيستفيدون مباشرة من هذا القرار، مما ينعكس على استدامة القطاع ككل.
الصناعة في قلب رؤية 2030
يأتي القرار في سياق أهداف أكثر طموحاً، إذ تستهدف السعودية مضاعفة الناتج المحلي الصناعي نحو 3 مرات ليصل إلى 895 مليار ريال بحلول عام 2035، وطرح أكثر من 800 فرصة استثمارية صناعية بقيمة تريليون ريال. كما تستهدف تمكين الاستثمارات الأجنبية ونقل التقنيات المتقدمة، وتعزيز انتشار الصادرات غير النفطية في أكثر من 180 دولة عبر برامج مثل صنع في السعودية.
ويرى محللون أن إلغاء المقابل المالي يبعث برسالة واضحة للمستثمرين المحليين والدوليين مفادها أن السعودية مستعدة لاستخدام أدوات مالية وتنظيمية مرنة لضمان نجاح الصناعة.
من منظور أوسع، يعزز القرار موقع السعودية في سلاسل الإمداد العالمية، في وقت تتنافس فيه الدول الصناعية على جذب المصانع والاستثمارات وسط اضطرابات جيوسياسية وتغيرات في خريطة الإنتاج العالمية؛ فخفض تكاليف العمل، دون الإخلال بمسارات التوطين، يمنح الصناعة السعودية ميزة تنافسية يصعب تجاهلها.
إلغاء المقابل المالي على العمالة الوافدة في المنشآت الصناعية ليس قراراً مالياً عابراً، بل خطوة استراتيجية مدروسة، تستند إلى نتائج ملموسة، وتهدف إلى بناء قطاع صناعي قوي وتنافسي ومستدام.