بينما تتصدر تصريحات الحكومة عناوين الصحف، يظل ملف ديون مصر من أكثر الملفات إثارة للجدل الاقتصادي. أعلن رئيس الوزراء عن هدف كبير: خفض الدين لأدنى مستوى منذ 50 عاماً، مؤكداً أن هذا سيخفف الأعباء على المواطن ويحسن الخدمات.
لكن الأرقام الرسمية تكشف أن الدين الخارجي وصل إلى 161 مليار دولار حتى يونيو 2025، في حين تجاوز الدين المحلي 11 تريليون جنيه، ما يفتح النقاش حول مدى قدرة الدولة على التوفيق بين النمو الاقتصادي واستقرار الموازنة.
يُستخدم مؤشر نسبة الدين إلى الناتج المحلي على نطاق واسع لتقييم مستوى الديون، لكنه ليس كافيًا لفهم الصورة الكاملة.
ويقيس الناتج المحلي قيمة السلع والخدمات المنتجة، وهو رقم اقتصادي وليس خزينة الدولة. الحكومة لا تسدد ديونها مباشرة من الناتج المحلي، بل من الإيرادات العامة، وهي المؤشر الحقيقي لكيفية تحمل الدولة لديونها دون تحميل المواطن الثمن.
الإيرادات العامة.. الحلقة الأضعف
تبلغ الإيرادات العامة لمصر 12 إلى 13% من الناتج المحلي، من بين الأدنى عالمياً وإفريقياً، بينما يلتهم الدين أكثر من 65% من موازنة الدولة.
وتكمن الصدمة الأكبر في فوائد الدين، التي تلتهم 88% من الضرائب، ما يوضح الضغط الفعلي على المالية العامة.
المقارنات الدولية مفيدة
اليابان: دين يتجاوز 250% من الناتج، لكن الإيرادات أكثر من 35%، والفائدة شبه صفرية، والدين محلي في معظم الأحوال.
إيطاليا: دين يقارب 140% من الناتج، لكن الإيرادات تتجاوز 40%، مع نظام اجتماعي يمتص أثر الدين.
والاستنتاج من كل هذه التجارب أن حجم الدين ليس هو المشكلة، بل قدرة الدولة على تحمله دون تحميل المواطن عبئاً إضافياً.
آراء الخبراء
يدعو رئيس البنك التجاري الدولي هشام عز العرب، لوضع سقف محدد للاقتراض بدلاً من الاعتماد على نسبة وهمية، وزيادة الإيرادات عبر تمكين القطاع الخاص وتطبيق وحدة الموازنة.
أما رئيس شركة القلعة، أحمد هيكل، فيشدد على ضرورة أن تكون المشروعات الجديدة مدفوعة بعوائد دولارية لتسديد القروض وحماية الاقتصاد.
وقد تبدو أرقام الدين المصرية على الورق جيدة، لكن الواقع يُقاس بقدرة الدولة على تحويل هذه الأرقام إلى حياة أفضل للمواطن.
السؤال الأهم يبقى: متى سيشعر المواطن فعليًا بانخفاض أعباء الدين وتحسن الخدمات؟