من رهانات ضمنية يتخذها المشترون كل عام، إلى أسواق تنبؤ علنية تتيح لأي شخص أن يضع ماله حيث يضع توقعاته يدخل العقار زمن "الكازينو الرقمي".
وصلت أسواق التنبؤ أو (Prediction Markets) إلى العقار عبر منصة "Polymarket"، مع رهانات شهرية على متوسط أسعار المنازل في مدن كبرى مثل لوس أنجلوس وميامي ونيويورك، بالاعتماد على بيانات "Parcl".
شراء منزل كان رهاناً ضمنياً في ذاته، ويفتح الباب للعديد من الأسئلة من جانب المستثمر مثل: هل هذا هو الوقت المناسب؟ هل يمكن خفض السعر أكثر؟ ماذا لو هبطت الفائدة بعد أشهر؟ لسنوات طويلة، بقيت هذه الرهانات حكراً على من يُتمّون صفقة شراء أو بيع فعلياً.
اليوم، تغيّر المشهد، بعد أن أتاحت أسواق التنبؤ لأي شخص أن يجرب حظه كـ"اقتصادي عقاري هاو".
أطلقت منصة "Polymarket" أسواقاً تسمح بالمراهنة على متوسط أسعار المنازل على مستوى الولايات المتحدة أو مدن مختارة وفق نطاقات محددة عند نهاية الشهر.
أحد مستخدمي منصة "X" كتب ساخراً: "لا أطيق الانتظار لأبيع على المكشوف منزل صديقي". مع أن الرهانات المتاحة ليست بهذه الدقة بعد، إذ لا يمكنك الرهان ضد منزل جارك تحديداً، إلا أنها أصبحت مادة للسخرية من تغير مشهد السوق.
تكمن الفكرة الكبيرة لأسواق التنبؤ، في تحويل الآراء إلى احتمالات تعكس ما يعتقده الناس فعلاً "بالمال لا بالكلام".
وبدلاً من إغراق المشهد بتحليلات "يوتيوب" أو مكاتب الوسطاء، يمكنك النظر إلى Polymarket لترى أين يضع الناس أموالهم.
أظهرت المنصة مؤخراً احتمالاً بنحو 47% لأن تنهي متوسط أسعار المنازل في أميركا الشهر فوق 418 ألف دولار، بعد أن كانت 73% قبل أسبوع ما يوحي بتراجع تفاؤل المراهنين في المدى القصير.
لكن صعب ابتلاع كل هذا الكلام "الجميل" عن اكتشاف الأسعار والتحوط حين يمكنك، بالسهولة نفسها عند المراهنة على سعر بطاقة "بيكاتشو" النادرة المملوكة لليوتيوبر لوغان بول عند طرحها في مزاد. هذا التعايش بين "العقار" و"بيكاتشو" يلخص "قمرنة" واسعة لاقتصاد المنصات.
محاولة قديمة لم تنته
المراهنة على العقار ليست جديدة تماماً. في 2006 أطلقت بورصة شيكاغو (CME) عقوداً آجلة وخيارات على 10 أسواق كبرى وعلى مؤشر وطني. لكن النتائج كشفت وقتها عن إقبال هزيل، مع أقل من 3 آلاف عقد بين 2.2 مليار عقد تداولتها البورصة عام 2007.
عبّر باحثون من جامعة نورث كارولينا لاحقاً عن دهشة من ضعف الاهتمام، إذ أتاح السوق نظرياً نقل مخاطر السكن، لكن قلة استخدمته. ومع مرور السنوات، تراجعت أحجام التداول أكثر. وفي أواخر 2024، كتب صانع سوق في عقود أسعار المنازل، جون دولان، أن الأحجام بلغت ذروة 5 سنوات لكنها لا تزال جزءاً يسيراً مما هو ممكن ومطلوب، وبعيداً عن مستويات 2006–2007.
كيف تعمل Polymarket وKalshi؟
تتيح منصات مثل "بوليماركت" و"كلاشي" شراء أسهم في نتيجة متوقعة، فيما تحدث الاحتمالات لحظياً لتعكس حكمة الحشود. خلال انتخابات 2024، خطفت هذه المنصات الأضواء، وتجاوزت عثرات تنظيمية لتصبح ركناً ثابتاً في السياسة والرياضة والترفيه.
وتحولت بهذه الشعبية، الاحتمالات نفسها إلى مادة خبرية، وأحياناً أثارت قلق تشريعي من رهانات حسّاسة التوقيت على أحداث سياسية، مثل رهان على إطاحة نيكولاس مادورو في فنزويلا.
ومع تنامي دور منصات التنبؤات، جمعت منصة "كلاشي" تمويلاً بتقييم قدرها بـ11 مليار دولار، فيما حصلت Polymarket على استثمار بقيمة ملياري دولار من "إنتركونتيننتال إكستشانج" مالكة بورصة نيويورك، عند تقييم بعد جمع الأموال بلغ 9 مليارات دولار.
لماذا ربط العقار بأسواق التنبؤ جذاب للمستثمرين؟
التعبير عن نظرتك لاتجاهات أسعار العقارات مكلف للغاية إذا حاولت شراء أو بيع منزل فعلي.
قال تريفور بايكن، الرئيس التنفيذي لـ"Parcl": "إن ظننت أن الأسعار ستقفز في بوسطن، فالطريقة التقليدية تتطلب سيولة عالية... وحتى الرهان على انخفاض الأسعار فكان أصعب تاريخياً نتيجة ضعف السيولة".
العقار غير سائل، والحصول على تعرض مجد له عبر التداول أمر شاق؛ بينما تتيح الأسواق السائلة خيارات كثيرة من المضاربة الخالصة إلى التحوط المحتمل.
من جانبه، قال دايونغ هوانغ، أستاذ التمويل في "UNC": "الأمر أشبه بفتح كازينو آخر". وإن لم تكن هذه الأسواق دقيقة التنبؤ بأسعار المنازل، فهو لا يرى كيف سيستفيد الأميركي العادي.
من سقف يأويك… إلى أصل مالي قابل للتداول
تظهر البيانات اتساع الفجوة: الفارق الوسيط في الثروة بين المالكين والمستأجرين اتسع بنحو 70% منذ 1989، وبلغ مستوى تاريخياً مرتفعاً في 2022، وفق تحليل Urban Institute لبيانات مسح المالية الأسرية. وبحسب Pew Research، فإن منزل الأسرة هو غالباً أصلها الأثمن لدى نحو 65% من الأسر المالكة.
في هذا السياق، يصبح مفهوماً لماذا يتعامل كثيرون، بينهم شركات مدعومة من وول ستريت، مع المنازل كمجال لتعظيم القيمة.
قد لا تفي أسواق التنبؤ العقارية بوعدها في كشف اتجاه الأسعار أو صك طبقة جديدة من حاملي ثروة الإسكان. لكن إن انتشرت، فهي تكرس تحول المنزل من مأوى إلى سلعة قابلة للتداول.
المفارقة الساخرة التي يرددها كثيرون: جيل ولد متأخراً لشراء منزل، لكنه جاء في الوقت المناسب للمراهنة على أسعار المنازل -وعلى كل شيء- من داخل شقق ضيقة. ولا عجب أن تستقطب قصة السكن هذا القدر من الفضول… والرغبة في “نصيب من الكعكة".
على أي حال، حجم التداول على مصير بطاقة بيكاتشو الخاصة بـلوغان بول تجاوز 4 ملايين دولار، والجمهور يرى احتمالاً كبيراً لبيعها بأكثر من 8 ملايين دولار.