حصري جولة تيسير نقدي جديدة في مصر.. كيف تخفف عبء الدين وتحفز الاستثمار؟

محللون: تأثيرات إيجابية متوقعة على التوظيف والاستثمار خلال فترة من 6 إلى 18 شهراً

المصدر: القاهرة – العربية Business
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
9 دقائق للقراءة

مع تزايد توقعات بنوك الاستثمار المحلية والعالمية باستكمال البنك المركزي المصري دورة التيسير النقدي التي بدأها العام الماضي، وأسفرت عن خفض أسعار الفائدة بنحو 7.25%، تتصاعد التساؤلات حول مدى الأثر الاقتصادي المتوقع لهذا الخفض، على تخفيف أعباء الدين العام، وتنشيط الطلب الائتماني، وتشجيع الاستثمار الخاص، ودعم سوق العمل.

رجح محللون تحدثوا مع "العربية Business"، أن يشهد العام الجديد خفضاً إضافياً لمعدلات الفائدة بنسبة تتراوح بين 600 و700 نقطة أساس، وهي تقديرات تتسق مع توقعات وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني، وشركة "إي إف جي هيرميس" المصرية.

واتفق المحللون على أن انعكاسات استمرار دورة التيسير النقدي ستكون إيجابية على مختلف المؤشرات الاقتصادية، على أن تتجلى هذه التأثيرات تدريجياً خلال الأعوام الثلاثة المقبلة.

تراجع تكلفة الديون

قال رئيس المصرف المتحد السابق، أشرف القاضي، إن خفض أسعار الفائدة على الجنيه المصري ينعكس مباشرة على تكلفة الاقتراض سواء العام أو الخاص.

وأضاف القاضي لـ"العربية Business" أن انخفاض الفائدة يحد مع مرور الوقت من تكلفة الدين القابل لإعادة التمويل، موضحاً أن كل نقطة مئوية يتم خفضها في الفائدة تعني نظرياً تقليصاً مماثلاً في أعباء خدمة الدين، وهو ما يمثل أهمية خاصة في ظل ضخامة الدين المحلي واستحواذ بند الفوائد والأقساط على نسبة كبيرة من الموازنة العامة.

وأشار القاضي إلى أن خفضاً يتراوح بين 500 إلى 700 نقطة أساس يمكن أن يحقق وفورات بمئات المليارات من الجنيهات في تكلفة الدين على المدى المتوسط، لكن هذا الأثر لا يظهر دفعة واحدة، إذ أن جزءاً كبيراً من أدوات الدين يعاد تسعيره تدريجياً مع كل تجديد أو إصدار جديد عند مستويات فائدة أقل.

الجنيه المصري والدولار - (تعبيرية من آيستوك)
الجنيه المصري والدولار - (تعبيرية من آيستوك)

"الأثر المالي لسياسة التيسير النقدي كبير لكنه تدريجي، ويبرز بوضوح خلال فترة تمتد من عامين إلى ثلاثة أعوام مع دورة إعادة تمويل الدين"، بحسب القاضي.

ومن منظور الموازنة العامة، اعتبر القاضي أن خفض الفائدة بهذا الحجم يُعد من أقوى الأدوات لتخفيف الضغط على بند خدمة الدين، شريطة الحفاظ على الانضباط المالي وعدم التوسع في الاقتراض بنفس الوتيرة.

واتفق معه عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد في جامعة القاهرة، وعضو اللجنة الاستشارية بمجلس الوزراء، مدحت نافع، قائلاً إن خفض أسعار الفائدة أداة مهمة لتخفيف أعباء خدمة الدين المحلي وتحسين بيئة الاستثمار، لكنه ليس ذا أثر فوري ولا يعمل بمعزل عن السياق الاقتصادي الكلي.

وأوضح نافع لـ"العربية Business" أن خفض الفائدة يخفف تدريجياً من تكلفة الدين مع إعادة تسعير أدواته، ويظل مشروطاً بالحفاظ على مصداقية السياسات النقدية والمالية وضبط العجز وإطالة آجال الدين، وإلا يبدد أثره بفعل ارتفاع التضخم أو علاوة المخاطر.

ومن جانبه يرى عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، محمد أنيس، أن الأثر المباشر لخفض الفائدة يظهر بوضوح على خدمة الدين المحلي، حيث يخفف كل خفض لأسعار الفائدة بمقدار 1% أعباءً عن الموازنة العامة تقدر بنحو 80 مليار جنيه سنوياً، خاصة إذا استمر الخفض لمدة 12 شهراً متتالياً.

محللون: انعكاسات استمرار دورة التيسير النقدي ستكون ايجابية على مختلف المؤشرات الاقتصادية – (تعبيرية من آيستوك)
محللون: انعكاسات استمرار دورة التيسير النقدي ستكون ايجابية على مختلف المؤشرات الاقتصادية – (تعبيرية من آيستوك)

"هذا الرقم مرشح للزيادة مستقبلاً مع تضخم حجم الدين، وقد يصل إلى 100 مليار جنيه بعد عامين أو ثلاثة"، وفق أنيس.

ورجح أنيس تراجع أسعار الفائدة خلال عام 2026 بمعدلات تتراوح بين 5 و6% على أقصى تقدير، لتستقر معدلات الفائدة على الإيداع والإقراض بنهاية العام عند حدود 14%.

تحفيز الاستثمار

من جانبه قال نافع إن أثر خفض الفائدة سيظل محدوداً على الاستثمارات في الأجل القصير، نطراً لأن تكلفة التمويل ليست القيد الحاسم وحدها، إذ تلعب التوقعات، ومستوى عدم اليقين، واستقرار سعر الصرف، وهيكل المنافسة دوراً أكبر في قرارات المستثمرين.

وتوقع نافع أن تكون الاستجابة حذرة وانتقائية، حيث يستفيد المستثمر القائم سريعاً من إعادة هيكلة ديونه، بينما يميل المستثمر الجديد إلى الترقب حتى تتضح استدامة الخفض واستقرار البيئة الاقتصادية.

من جانبه، قال القاضي إن تراجع الفائدة بمعدلات جديدة قد تصل 7% سيؤدي إلى انخفاض تكلفة التمويل للمصانع والشركات والمشروعات الجديدة، ما يعزز جدوى العديد من الاستثمارات التي كانت أقل جدوى اقتصادية.

"تقلص الفارق بين عائد الاستثمار الإنتاجي وعائد الإيداع البنكي سيزيد من شهية المستثمرين للمخاطرة، لتستفيد قطاعات مثل الصناعة، التشييد والبناء، والمشروعات كثيفة رأس المال، إضافة إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة المعتمدة على القروض"، بحسب القاضي.

وأشار إلى أن الأثر لن يتحول إلى طفرة استثمارية فورية، لكنه سيظهر تدريجياً عبر رفع معدلات نمو الاستثمار الخاص وإعادة تشغيل مشروعات متوقفة أو مؤجلة.

ولفت إلى أن حجم التأثير الحقيقي سيظل مرتبطاً بعوامل أخرى، أبرزها استقرار سعر الصرف، وضوح السياسات الضريبية والتنظيمية، وسرعة البنوك في ترجمة خفض الفائدة الأساسية إلى أسعار إقراض أقل فعلياً.

وحول سلوك المستثمرين، أكد القاضي أن الاستجابة ستكون تدريجية، حيث سيبادر المستثمرون الذين لديهم مشروعات جاهزة فوراً بالتحرك مع أول موجة خفض كبيرة، بينما قد يفضل آخرون الانتظار لمزيد من الخفض أو لحين وضوح السياسات الاقتصادية.

وتوقع أن تتحول الاستجابة من حالة "الترقب" إلى "التنفيذ" بشكل أسرع إذا رافق خفض الفائدة رسائل قوية عن استقرار سعر الصرف وبرنامج إصلاح واضح وهيكلة لدور الدولة في الاقتصاد.

في حين أشار أنيس إلى أن الوقت الحالي بات مناسباً للمستثمرين لبدء تنفيذ المشروعات المؤجلة، لسببين رئيسيين، أولهما اعتماد عدد كبير من المستثمرين على التمويل ذي الفائدة المتغيرة، ما يسمح لهم بالاستفادة المباشرة من أي تخفيضات لاحقة، أما الثاني فيتعلق بانتهاء تنفيذ نصف دورة التيسير النقدي المتوقعة.

وترى الخبيرة المصرفية ونائب رئيس بنك مصر سابقاً، سهر الدماطي، أن انخفاض تكلفة الاقتراض تشجع الشركات على التوسع في مشروعاتها وزيادة الطاقة الإنتاجية، وهو ما ينعكس على خلق فرص عمل جديدة وتحسين الناتج القومي.

وأضافت أن المستثمرين المحليين والأجانب يراقبون مستويات الفائدة عن كثب، إذ أن تراجعها بمعدلات تجاوزت 7% واستمرار توقعات مزيد من الخفض مع توقعات بعائدات استثمارية أعلى يجعل السوق المصرية أكثر جاذبية.

تأثيرات إيجابية على معدلات التوظيف

قال القاضي، إن أثر خفض أسعار الفائدة على النشاط الاقتصادي لا يظهر بشكل فوري، بل يحتاج إلى فترة زمنية تتراوح عادة بين 6 و18 شهراً حتى ينعكس بوضوح في مؤشرات الاستثمار والنمو والتوظيف، وذلك بحسب سرعة استجابة البنوك والمستثمرين.

وأوضح القاضي أن التسلسل الطبيعي للأثر يبدأ خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة الأولى بتحسن السيولة الائتمانية وزيادة الموافقات على القروض، إلى جانب بدء تنفيذ بعض المشروعات المؤجلة، ثم يمتد خلال الفترة من 6 إلى 12 شهراً ليظهر في زيادة الطلب على العمالة بقطاعات التشييد والمقاولات وبعض الصناعات، مع تحسن تدريجي في معدلات التوظيف، وإن لم يترجم ذلك مباشرة إلى انخفاض كبير في البطالة.

وأضاف أنه بعد مرور عام إلى عامين، إذا استمر مسار خفض الفائدة مدعوماً باستقرار اقتصادي وإصلاحات هيكلية، يمكن أن نشهد انخفاضاً ملموساً في معدلات البطالة وتحسناً في جودة الوظائف، سواء بالانتقال من العمل غير الرسمي إلى الرسمي أو من الوظائف منخفضة الأجر إلى فرص أفضل نسبياً.

واتفق معه نافع في أن أثر خفض الفائدة على معدلات التوظيف يتطلب فترة زمنية أطول، إذ يظهر التأثير بعد انتقال الخفض من السيولة إلى الاستثمار ثم إلى التوسع الإنتاجي، وغالباً ما يحتاج من عام إلى عامين ليصبح ملموساً، مع اختلاف قوته حسب طبيعة القطاعات المحركة للنمو.

على العكس، قال أنيس إن الأثر المباشر لخفض الفائدة على مؤشرات التوظيف لن يكون كبيراً، خاصة أن المحرك الحقيقي لتحسين معدلات الدخول وامتصاص البطالة يتمثل في الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجهة للتصدير، والتي مازالت في نطاق يتطلب المزيد من التوسع.

الفائدة الحقيقية

وحول انعكاس خفض الفائدة على الفائدة الحقيقية، قال القاضي إن السياسة النقدية في مصر تدخل مرحلة دقيقة تتطلب تحقيق "فن التوازن" بين جذب المستثمرين في أدوات الدين المحلية والأجنبية، وبين عدم الضغط على الاستثمار الحقيقي والإنتاجي.

وأوضح القاضي أن مصر شهدت في الفترات الأخيرة مستويات مرتفعة جداً للفائدة الحقيقية تجاوزت 10% وفق بعض التقديرات، وهو ما شكل عبئاً كبيراً على الاستثمار الحقيقي، رغم أنه ساعد في تعزيز جاذبية أدوات الدين.

وأشار إلى أن المستوى "المتوازن" لمصر في المرحلة المقبلة يتمثل في فائدة حقيقية موجبة لكن غير مبالغ فيها، تتراوح بين 2 و4%، بما يكفي للحفاظ على جاذبية أدوات الدين، خاصة مع تحسن التصنيف والمخاطر، وفي الوقت نفسه لا يخنق الاستثمار الخاص.

وأكد أن هذا السيناريو يفترض استمرار اتجاه التضخم نحو الانخفاض والاستقرار، وعدم حدوث صدمات كبيرة في سعر الصرف أو أسعار الطاقة.

من جهته، قال نافع إن التوازن في الفائدة الحقيقية عاملاً حاسماً، بحيث تكون موجبة بدرجة معتدلة تحفظ الثقة والمدخرات دون خنق الاستثمار، وغالباً يكون النطاق الأنسب لها يتراوح بين 1 و3%.

يأتي ذلك، فيما توقع أنيس انخفاض مستويات التضخم في مصر إلى نحو 9% بنهاية 2026، مقابل معدل فائدة اسمي في حدود 14% خلال نفس الفترة، وهو ما يصل بمعدل الفائدة الحقيقية إلى 5%.

وقال أنيس إن هذه النسبة لا يمكن خفضها حالياً للحفاظ على تدفقات السيولة الدولارية، خاصة مع قرب انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي بنهاية 2026.

وأشار إلى أن مرحلة ما بعد انتهاء قرض الصندوق تحمل مخاطر أعلى للمستثمرين، ما يستدعي الإبقاء على معدل فائدة حقيقي جاذب.

"أي خفض إضافي للفائدة الحقيقية لن يكون ممكناً إلا في حال تحسن أوضاع الاستثمار الأجنبي المباشر، وزيادة الصادرات، وتراجع التضخم إلى 7% والفائدة الأسمية إلى 10%، وهي أمور مستبعدة قبل عام 2028 "، بحسب أنيس.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط