بعد أشهر قليلة من تحول مصر إلى وجهة استثمارية استثنائية للاستثمارات الصينية في أعقاب الرسوم الجمركية الكبيرة التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبريل الماضي، يلوح في الأفق سيناريو مشابه قد يتكرر مع مستثمرين أوروبيين، في ظل التوترات الأميركية الأوروبية الأخيرة، بحسب ما قاله مسؤولون لـ"العربية Business".
واتفق المسؤولون على أن التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وأوروبا قد يدفع مستثمري القارة العجوز للتوسع في مصر بغرض التصدير لأميركا، خاصة أن مصر تعد من الدول القليلة التي تصدّر للولايات المتحدة بـ10% رسوم جمركية.
وكشف المسؤولون عن اهتمام أوروبي كبير بالسوق المصرية خلال الفترة الحالية، ليس فقط بسبب الرسوم، لكن بسبب استقرار الأوضاع الاقتصادية أيضاً، وتحسّن بيئة الأعمال، فضلاً عن ارتباط مصر باتفاقيات تجارية مع مختلف دول العالم، وانخفاض تكاليف الإنتاج.
وقبل أيام، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نيته فرض رسوم جمركية بـ10% على 8 دول أوروبية، هي الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا، كخطوة أولى سيعقبها رفع الرسوم إلى 25% بحلول يونيو المقبل.
سيناريو الصين
قال نائب رئيس مجلس الأعمال المصري الصيني، مصطفى إبراهيم، إن الضغوط الأميركية على الصين دفعت مستثمريها لزيادة التوسع في السوق المصرية خلال العام الماضي، وهو الأمر الذي رفع الاستثمارات الصينية التراكمية في البلاد إلى 12 مليار دولار بنهاية 2025 بزيادة 4 مليارات دولار عن 2024.
وأضاف إبراهيم لـ"العربية Business" أن الاستثمارات الصينية في مصر تسير بوتيرة سريعة، ليس فقط من حيث الحصول على الموافقات، ولكن من حيث سرعة التنفيذ ودخول المشروعات حيز الإنتاج الفعلي.
وتوقع إبراهيم تدفق استثمارات صينية جديدة لمصر بقيمة 4 مليارات دولار العام الحالي، ودخول ما يتراوح بين 1000 و1500 شركة مختلفة الحجم.
"الاستثمارات المرتقبة ستكون متنوعة وستغطي مختلف القطاعات، بداية من الملابس الجاهزة والأجهزة الكهربائية والإلكترونية إلى الصناعات المتخصصة مثل الصوف الزجاجي"، وفق إبراهيم، والذي قال إن هذا الأمر سيسهم في إحلال الواردات من جهة، وفتح آفاق تصديرية واسعة من جهة أخرى.
وأشار نائب رئيس مجلس الأعمال المصري الصيني إلى أن هناك عاملين رئيسيين يدفعان الشركات الصينية للتوسع في مصر: أولهما الضغوط التجارية المتزايدة على الصين في أوروبا وأميركا، ما يدفعها للبحث عن قواعد إنتاج بديلة تحمل شعار "صنع في مصر".
أما العامل الثاني، فيشمل الموقع الاستراتيجي لمصر واتفاقياتها التجارية الواسعة، مثل الكويز، والكوميسا، واتفاقية أغادير، واتفاقية التجارة العربية، التي تمنح المنتجات المصنعة في مصر ميزة نفاذ واسعة للأسواق العالمية برسوم منخفضة.
وقال إبراهيم إن نحو 70% إلى 80% من الاستثمارات الصينية في مصر موجهة بالأساس للتصدير إلى أوروبا وأميركا وأسواق أخرى.
وأضاف أن انخفاض تكلفة العمالة وتنافسية تكلفة الإنتاج، إلى جانب البنية التحتية والمناطق الحرة، تجعل من مصر خياراً مفضلاً للشركات الصينية مقارنة بعدد كبير من الدول الأخرى، خاصة في ظل سعي الشركات الصينية لتفادي الرسوم الجمركية والقيود التجارية.
اهتمام أوروبي متزايد
قال رئيس مجلس إدارة غرفة التجارة الأميركية في القاهرة، عمر مهنا، إن تشديد الإجراءات الجمركية الأميركية على الصين، ثم اتساع نطاق القيود ليشمل أطرافاً أوروبية، يعزز فرص مصر للتحول إلى مركز صناعي وتصديري يخدم أسواقاً متعددة، وفي مقدمتها أميركا وأوروبا.
وأضاف مهنا ل"العربية Business" أن دوائر الأعمال في مصر تلمس اهتماماً أوروبياً متزايداً بالسوق المصرية خلال الفترة الحالية.
"أوروبا تنظر إلى مصر باعتبارها جزءاً رئيسياً من نطاق دول جنوب المتوسط وسلاسل الإمداد المرتبطة به، لذا فهي وجهة مناسبة"، وفق مهنا.
وأشار إلى أن قطاع الطاقة يأتي في مقدمة القطاعات التي تحظى باهتمام خاص من جانب الشركات الأوروبية، لا سيما في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، إلى جانب الطاقة التقليدية والمتجددة بوجه عام.
أوضح أن جاذبية الاستثمار في مصر لا ترتبط فقط بميزة الرسوم الجمركية المخفضة مع الولايات المتحدة بنسبة 10%، بل هناك ميزة هيكلية تتمثل في شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية التي تربط مصر بخمس إلى ست مناطق اقتصادية كبرى حول العالم، تشمل الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، أفريقيا، الدول العربية، وتركيا.
وأضاف أن هذه الاتفاقيات تمنح المستثمرين قدرة فريدة على النفاذ إلى أسواق ضخمة من خلال نقطة إنتاج واحدة.
وأشار مهنا إلى أن تنوع الاقتصاد المصري يمثل عنصر جذب رئيسي للمستثمرين الأوروبيين، بجانب اهتمامهم بإعادة توطين الصناعات أو توزيع قواعد الإنتاج.
أضاف: "تداعيات جائحة كورونا وما تبعها من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، ثم التركّز الصناعي الكبير في الصين، دفعت العديد من الدول الأوروبية للتفكير في إعادة توطين الصناعات، ومصر من الدول التي تحظى بفرص قوية للاستفادة من هذا التوجه".
قطاعات واعدة
بدوره، قال رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، علي عيسى، إن المزايا التفضيلية التي تتمتع بها مصر فيما يتعلق بالرسوم الجمركية، خاصة مع السوق الأميركية، قد تضعها ضمن أبرز الوجهات التي يفكر فيها المستثمر الأوروبي خلال المرحلة المقبلة، في ظل التحديات التي تواجهها أوروبا.
وأوضح عيسى أن ما تمر به الأسواق الأوروبية من ضغوط وتكاليف مرتفعة يقابله في مصر مجموعة من المزايا التنافسية، ما يخلق حالة من التكامل بين احتياجات المستثمر الأوروبي وما توفره البيئة الاستثمارية المصرية.
وأشار إلى أن المستثمر حين يتخذ قرار نقل جزء من نشاطه خارج أوروبا، فإنه يبحث عن أفضل منطقة تتوافر فيها عناصر الجذب.
"مصر تمتلك عدة مقومات رئيسية، في مقدمتها انخفاض تكلفة العمالة، والموقع الجغرافي المتميز، وخطوط النقل والملاحة التي تمر عبرها، فضلاً عن شبكة الاتفاقيات الجمركية الواسعة التي تربطها بعدد كبير من الأسواق"، وفق عيسى.
وأشار إلى أن جاذبية مصر لا تقتصر على الاتفاقيات مع الولايات المتحدة فقط، بل تمتد إلى اتفاقيات تفضيلية مع دول أفريقية وأوروبية وأسواق أخرى، وهو ما يمنح المستثمر ميزة النفاذ إلى أسواق متعددة من خلال التصنيع داخل مصر.
وحول ما يتعلق بمدى جاهزية مصر لاستقبال استثمارات أوروبية محتملة، قال عيسى إن هناك حزمة قطاعات مرشحة بقوة لجذب هذه الاستثمارات، على رأسها الصناعات الهندسية والتكنولوجية، إضافة إلى الصناعات كثيفة العمالة مثل الغزل والنسيج والملابس.
وأضاف أن هذه النوعية من الصناعات تُعد من أكثر الأنشطة القابلة للانتقال سريعاً من أوروبا إلى دول أخرى أقل تكلفة وأكثر ميزة من حيث النفاذ للأسواق، وأن مصر تأتي في مقدمة الدول المؤهلة لاستقبال هذه التحولات الصناعية.