ما بين شهري يونيو (حزيران) ونوفمبر (تشرين الثاني) 1944، شهد المحيط الهادئ واحدة من المعارك الهامة والمفصلية بتاريخ الحرب العالمية الثانية على ساحة المحيط الهادئ. فضمن ما عرف بالحملة على جزر ماريانا (Mariana) وبالاو (Palau)، تمكن الأميركيون من انتزاع مناطق استراتيجية قبعت لسنوات بقبضة اليابانيين.
وعقب حصولهم على جزر سايبان (Saipan) وتينيان (Tinian)، شيد الأميركيون بهاتين المنطقتين مطارات عسكرية أقلعت منها قاذفات القنابل بي 29، التي بلغ مداها 9 آلاف كلم، لقصف مدن اليابان التي كانت تقبع على بعد نحو 2400 كلم.
وإثر هذا النجاح العسكري، وجه الأميركيون أنظارهم نحو جزيرة أخرى عرفت بإيوا جيما (Iwo Jima) حيث مثلت الأخيرة هدفا استراتيجيا لزيادة حجم عمليات القصف ضد اليابان.
أهمية إيوا جيما
ضمن سياسة إقصاء اليابان من جزر المحيط الهادئ الواحدة تلو الأخرى، وجه الأميركيون عقب الحملة على جزر ماريانا وبالاو أنظارهم نحو إيوا جيما التي مثلت نقطة استراتيجية لضمان هزيمة اليابان بالحرب العالمية الثانية.
فبتلك الفترة، تواجدت إيوا جيما بمنتصف الطريق بين المطارات العسكرية الأميركية بجزر ماريانا والبر الرئيسي لليابان. وقد استغلت اليابان حينها إيوا جيما للتصدي لقاذفات القنابل الأميركية التي أقلعت لقصف المدن اليابانية كما اعتمدتها أيضا كمركز استطلاع متقدم حيث راسل العسكريون اليابانيون العاملون بهذه الجزيرة سلطات بلادهم حال مشاهدتهم لقاذفات القنابل الأميركية بهدف دق جرس الإنذار وإرسال المدنيين نحو المناطق الآمنة وزيادة شدة الإستعداد لدى المختصين بمجال المضادات الجوية.
خطة كوريباياشي
مع تيقنهم من حتمية غزو إيوا جيما من قبل الأميركيين، باشر اليابانيون، بقيادة الجنرال تاداميشي كوريباياشي (Tadamichi Kuribayashi) بإعداد خطة دفاعية فريدة من نوعها.
فمع فقدانه لدعم طائرات سلاح البحرية اليابانية وتيقنه من انقطاع الإمدادات ووقوع الجزيرة تحت الحصار، اتجه كوريباياشي للتخلي عن فكرة حفر الخنادق للدفاع عن الشواطئ وصد الإنزال الأميركي. وبدلا من ذلك، أمر الأخير بحفر مجموعة كبيرة من الأنفاق الواسعة التي امتدت لمسافة 20 كلم وتركزت بالأساس عند جبل سوريباتشي (Suribachi)، الواقع بجزيرة إيوا جيما، والمناطق المجاورة له. وبالتزامن مع ذلك، نقل هذا الجنرال الياباني المدافع نحو المرتفعات ووجهها نحو الشواطئ التي آمن بنزول الأميركيين عليها.
ومن خلال هذه الخطة، حاول كوريباياشي أن يكبد الأميركيين أكبر عدد ممكن من الخسائر البشرية وأن يعرقل تقدمهم بالجزيرة.
بداية الإنزال
عقب موجة من القصف الجوي والبحري المكثف على إيوا جيما، باشر الأميركيون يوم 19 فبراير (شباط) 1945 بإنزال قواتهم البرية على شواطئ الجزيرة التي دافع عنها نحو 20 ألف جندي ياباني. وخلال الساعات الأولى، نشر الأميركيون عددا كبيرا من قواتهم ومعداتهم على الشواطئ بعد لقوا مقاومة بسيطة.
ومع تزايد عدد الجنود الأميركيون الذين هبطوا من ناقلات الجنود البحرية، باشر اليابانيون بتطبيق خطتهم عن طريق فتح نيران رشاشاتهم ومدافعهم، المخفية بشكل جيد، نحو الشواطئ مستهدفين بذلك الجنود الأميركيين الذين كانوا مكشوفين. وبفترة وجيزة، ارتفعت الخسائر الأميركية بشكل كبير حيث فقد نحو ألف جندي مع بداية الهجوم.
انتصار الأميركيين
بعد جملة من المعارك، تمكن الأميركيون من النزول على الشواطئ بنجاح ليتجهوا فيما بعد للسيطرة على جبل سوريباتشي الذي وقع بقبضتهم بعد أيام.
وأثناء المعارك بإيوا جيما، اضطر الأميركيون لخوض غمار قتال مباشر لطرد اليابانيين من جميع المواقع المحصنة. وبهذه المعارك، استخدم الأميركيون أسلحة عديدة مثل قاذف اللهب والقنابل اليدوية واستغلوا عامل نفاذ مخزون الذخيرة لدى اليابانيين.
بحلول يوم 26 مارس (آذار) 1945، أعلن رسميا عن نهاية معركة إيوا جيما بإنتصار الأميركيين وسيطرتهم على الجزيرة. وبهذه المعركة التي وصفت بالأصعب بالنسبة للأميركيين على ساحة المحيط الهادئ، فقدت واشنطن أكثر من 28 ألف عسكري بين قتيل وجريح بينما تجاوزت الخسائر اليابانية 18 ألف قتيل، كان من ضمنهم الجنرال كوريباياشي والملازم والبطل الأولمبي الياباني تاكيشي نيشي (Takeichi Nishi)، حيث لم يقع سوى بضعة مئات بالأسر.
مع سيطرتهم عليها، اتجه الأميركيون لإصلاح مهبط الطائرات بإيوا جيما التي سرعان ما استخدمت كمركز هبوط لقاذفات القنابل بي 29 ولتأمين رحلات القصف على المدن اليابانية. وبفضل حصولهم على إيوا جيما، أصبحت عمليات القصف الأميركي على الياباني أكثر فاعلية ودقة.