حذرت المفوضية الأوروبية حكومات دول الاتحاد من الإفراط في الإنفاق لمواجهة موجة ارتفاع أسعار الطاقة، مؤكدة أن الصدمة التي فجرها تصاعد التوترات في الشرق الأوسط عقب الحرب مع إيران قد تتحول إلى أزمة مالية جديدة إذا لجأت الدول إلى حزم دعم واسعة وغير منضبطة.
وخلال نقاشات دارت بين المفوضية والدول الأعضاء، شددت بروكسل على أن أي إجراءات للدعم – من إعانات مباشرة أو تخفيضات ضريبية أو تحديد سقوف لأسعار الطاقة – يجب أن تكون محدودة زمنياً وضيقة النطاق، في محاولة لتجنب تكرار سيناريو 2022 حين قفز التضخم واتسعت العجوزات المالية بفعل برامج الدعم الطارئة.
قال المفوض الأوروبي للطاقة، دان يورغنسن، لصحيفة "فاينانشال تايمز" إن هذا التوجه يأتي في إطار جهد موحد من المفوضية، مضيفاً أن التداعيات في قطاع واحد يمكن أن تمتد إلى بقية الاقتصاد.
ارتفاع أسعار النفط والغاز في أوروبا بنحو 60% بعد الضربات الأميركية على إيران أثار مخاوف من نقص في الديزل ووقود الطائرات، وسط تحذيرات من أن التضخم قد يعود للارتفاع مع ما يحمله ذلك من تأثيرات سلبية على النمو والاستقرار المالي.
وأوضح يورغنسن أن المفوضية تقدم نصائح تقنية للدول لمساعدتها في تصميم أدوات الدعم بما يتوافق مع الحيز المالي المتاح لكل حكومة، مشيراً إلى أن المطلوب حالياً هو تنسيق وحذر في أي تدخل يهدف إلى تخفيف ضغوط أسعار الطاقة.
ثلاث أزمات في ست سنوات
أعرب مسؤولون أوروبيون عن خشيتهم من أن تتحول تداعيات الصراع في الشرق الأوسط إلى ثالث أزمة اقتصادية تضرب الاتحاد خلال ست سنوات، بعد جائحة كورونا ثم الحرب في أوكرانيا في 2022، وكلاهما دفع الحكومات إلى إطلاق حزم تحفيز ضخمة رفعت مستويات الدين العام.
ووفق أحدث البيانات، ارتفعت نسبة الدين الحكومي العام في الاتحاد الأوروبي من 77.8% من الناتج المحلي الإجمالي نهاية 2019 إلى 82.1% في الربع الثالث من 2025.
ورغم أن رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد أقرت بأن السياسات الحكومية المستهدفة يمكن أن تسهم في تخفيف الصدمة على الفئات منخفضة الدخل والحد من استهلاك الطاقة، فإنها حذرت في الوقت نفسه من أن الإجراءات الواسعة والمفتوحة قد تدفع الطلب إلى مستويات “مفرطة” وتغذي التضخم. ودعت إلى نهج مؤقت وموجه ومصمم بعناية.
دعوات لتشديد الانضباط المالي
أكد مفوض الاقتصاد الأوروبي فالديس دومبروفسكيس لوزراء المالية أن أي إجراءات يجب أن تظل طارئة وقصيرة الأجل، مشيراً إلى أن الإنفاق المفرط سيخلف تبعات مالية خطيرة في ظل تراجع القدرة المالية للحكومات بعد أزمات السنوات الماضية وزيادات الإنفاق الدفاعي منذ 2022.
وقال دومبروفسكيس إن الهامش المالي محدود، وما تقوم به الدول يجب أن يكون مؤقتاً ومستهدفاً.
لكن إيطاليا التي مددت ضريبة استهلاك الوقود بنسبة 20% حتى الأول من مايو، بدأت تدفع باتجاه تخفيف قواعد العجز المالي، حيث قال وزير المالية جانكارلو جورجيتي إن من "الحتم" أن تصبح القواعد أكثر مرونة، بعدما توقع مكتب الإحصاء الإيطالي ارتفاع العجز إلى 3.1% من الناتج في 2025.
مقترح لفرض ضريبة أرباح مفاجئة على شركات الطاقة
في تطور لافت، دعا وزراء مالية ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال والنمسا المفوضية الأوروبية إلى فرض ضريبة أوروبية موحدة على الأرباح الاستثنائية لشركات الطاقة، بهدف تخفيف العبء عن الاقتصاد والمواطنين الأوروبيين.
وتستند المبادرة إلى تجربة 2022 عندما فرض سقف على إيرادات شركات الكهرباء خلال أزمة الغاز التي تسببت فيها الحرب الأوكرانية.
وفي بولندا، التي خفضت ضريبة القيمة المضافة والرسوم على الوقود بما يعادل 1.6 مليار زلوتي (370 مليون يورو) شهرياً من الإيرادات الضريبية المفقودة، تخطط الحكومة لتعويض ذلك بفرض ضريبة أرباح غير متوقعة على شركات الطاقة، رغم أن تفاصيلها لم تعلن بعد.
نبهت المفوضية الأوروبية الدول إلى أن أي مساعدات أو إعانات يجب أن تظل متوافقة مع القواعد الأوروبية الخاصة بالتحول نحو اقتصاد أخضر وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
قال يورغنسن: في الأزمات نضطر أحياناً لدعم أشياء لم نكن نتخيل دعمها، لكن ذلك يجب أن يكون قصير الأجل... وإلا سيعاني الناس وستتوقف المصانع".