من جديد، يعيد قرار الولايات المتحدة فرض حصار على مضيق هرمز إلى الأذهان ردود فعل تقليدية في الأسواق العالمية: قفزة حادة في أسعار النفط، صعود عوائد السندات، وارتفاع الدولار. غير أن اللافت هذه المرة هو محدودية التأثير على بقية الأصول، في إشارة إلى أن المستثمرين باتوا أكثر اعتياداً على الصدمات الجيوسياسية، وربما تجاوزوا ما يمكن وصفه ب"ذروة الخوف".
فباستثناء النفط، جاءت تحركات الأسواق أكثر هدوءاً من المتوقع. فقد تراجعت الأسهم العالمية بشكل طفيف في تعاملات الاثنين، ما يعكس أن جانباً كبيراً من المخاطر الجيوسياسية بات مسعراً بالفعل، وأن حساسية المستثمرين تجاه العناوين السياسية لم تعد كما كانت في الأسابيع الأولى من التصعيد، بحسب ما نقلته شبكة "CNBC" عن محللين، واطلعت عليه "العربية Business".
قال استراتيجي الاستثمار في "Global X ETFs"، بيلي ليونغ، إن الأسواق تنظر إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفها جزءاً من أدوات تفاوضية أكثر من كونها مساراً حتمياً للتصعيد. وأضاف: "الأسواق وصلت إلى مستوى الذروة في حالة عدم اليقين، ولم تعد ردود الفعل حادة كما في السابق".
وفي آسيا، تراجعت مؤشرات الأسهم الرئيسية بنحو 1% فقط، فيما هبطت العقود الآجلة للمؤشرات الأميركية بأقل من هذه النسبة، وهو ما يعزز فرضية تراجع حالة الذعر. في المقابل، انخفض الذهب الفوري بنحو 0.5% إلى 4,720.28 دولار للأونصة، بينما ارتفع مؤشر الدولار 0.38%، ما قلص جاذبية المعدن النفيس مع ارتفاع كلفة حيازته لحاملي العملات الأخرى.
ويرى ليونغ أن وتيرة التقلبات تراجعت مقارنة بالأسابيع الماضية، مع تكيف المستثمرين تدريجياً مع الصدمات الجيوسياسية، مشيراً إلى أن السوق بات يمتلك فهماً وتسعيراً أفضل لدوافع ترامب.
الرأي نفسه تشاركته جون باي ليو، كبيرة مديري المحافظ في "تين كاب"، التي قالت إن مؤشرات التقلب، وعلى رأسها مؤشر VIX، تشير إلى أن أسوأ مراحل الذعر ربما أصبحت خلفنا. وأضافت: "شهدنا ذروة الخوف وموجة البيع قبل أسابيع، ومن الآن فصاعداً تحاول الأسواق إعادة ترتيب نفسها".
مخاطر سياسية مؤجلة
ورغم هذا الهدوء النسبي، تبقى المخاطر السياسية قائمة، لا سيما مع اقتراب استحقاقات داخلية في واشنطن. إذ حذر ليونغ من أن "قرار صلاحيات الحرب" يمنح الإدارة الأميركية مهلة محدودة للحصول على موافقة الكونغرس، ما قد يفرض ضغوطاً متزايدة خلال الأسابيع المقبلة. وأشار إلى أن الأسواق ربما لم تستوعب بالكامل هذا القيد السياسي بعد.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت يسعى فيه مشرعون أميركيون مجدداً لتمرير قرار يقيد العمليات العسكرية ضد إيران، ويلزم الرئيس بالحصول على موافقة الكونغرس قبل أي تصعيد إضافي.
النفط أولاً.. ثم التراجع؟
عزز الحصار الأميركي لمضيق هرمز، الذي شهد تراجع حركة الملاحة إلى حد كبير منذ اندلاع الحرب، مخاوف نقص الإمدادات، ودفع أسعار النفط إلى الارتفاع الحاد، ما أعاد إشعال القلق من التضخم عالمياً.
ومع تصاعد المخاوف التضخمية، تراجعت آمال خفض الفائدة، فارتفعت عوائد السندات وتعزز الدولار، بينما تعرضت الأسهم لضغوط. وقفز العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بأكثر من 33 نقطة أساس منذ بداية الحرب، فيما صعد مؤشر الدولار بنحو 1.4%.
أما النفط الأميركي، فقد ارتفع بأكثر من 55% منذ اندلاع الصراع، حيث قفزت عقود مايو بأكثر من 8% إلى 104.93 دولارات للبرميل، بينما صعد خام برنت تسليم يونيو 7% إلى 102.17 دولار.
ورغم ذلك، يتوقع محللون أن تتراجع أسعار النفط مع استقرار الأوضاع السياسية، حتى وإن استمرت التقلبات على المدى القريب. وقال مايكل يوشيكامي من "Destination Wealth Management" إنه واثق من أن الأسعار ستعود إلى مستوى 80 دولاراً للبرميل، مرجحاً أن تؤدي تسوية تفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران إلى تبديد علاوة المخاطر سريعاً.
من جهته، يرى ستيف برايس من "ستاندرد تشارترد" أن ارتفاع النفط يؤجل أي تيسير نقدي ويضغط صعوداً على العوائد والدولار، لكنه وصف هذه التأثيرات بأنها "مؤقتة"، في ظل اعتقاده بأن واشنطن تبحث عن مسارات لخفض التصعيد.
ذهب أقل بريقاً.. وأسهم بانتظار انفراجة
وعلى غير المتوقع، تراجع الذهب رغم تصاعد التوترات، وهو ما يعزوه برايس إلى قيام بنوك مركزية في الأسواق الناشئة ببيع جزء من احتياطياتها لدعم العملات المحلية، متوقعاً عودة الطلب على المعدن مع تراجع حدة التوترات في الشرق الأوسط.
في المحصلة، تبدو الأسواق حالياً في حالة توازن دقيق بين مخاطر جيوسياسية مرتفعة وتوقعات بانحسار التصعيد في نهاية المطاف. ويرى برايس أن تموضع المستثمرين الدفاعي لا يزال قائماً، ما يترك مجالاً لارتداد صعودي في الأسهم إذا بدأت بوادر التهدئة بالظهور.
قال يوشيكامي: "الأمر لم يعد سيناريو أبيض أو أسود... نحن في منطقة رمادية قد تستمر لبعض الوقت".