تتعرض أسواق العملات في آسيا لضغوط متزايدة مع عودة أسعار النفط للارتفاع فوق مستوى 120 دولاراً للبرميل، في موجة تضرب عدداً من أكثر عملات المنطقة هشاشة، وتعيدها إلى مستويات تاريخية متدنية وسط تصاعد المخاوف من التضخم وتداعيات الصدمة الطاقية.
ومنذ اندلاع الحرب قبل شهرين، سجلت الروبية الإندونيسية والروبية الهندية والبيزو الفلبيني تراجعات حادة، لتصبح من بين أضعف العملات أداءً ليس فقط على مستوى آسيا، بل أيضاً ضمن أسواق الاقتصادات الناشئة عالمياً. وتزايد الضغط يوم الخميس، حين هبطت الروبية الإندونيسية والهندية بأكثر من 0.5% أمام الدولار لتسجلا مستويات متدنية جديدة، بينما اقترب البيزو من تلك المستويات قبل أن يتماسك بشكل طفيف، وفقاً لما ذكرته "بلومبرغ".
ويعكس هذا التراجع اعتماد هذه الدول بشكل كبير على واردات النفط، ما يجعل عملاتها شديدة الحساسية لاضطرابات إمدادات الطاقة. فارتفاع تكاليف الوقود يهدد بإعادة إشعال التضخم، ويؤثر سلباً في عجز الحساب الجاري والمالية العامة، كما يعقّد مهمة البنوك المركزية التي تحاول دعم النمو الاقتصادي دون فقدان السيطرة على الأسعار.
وقال مؤسس شركة "ألفا بينواني كابيتال"، أشوين بينواني، وصاحب خبرة تمتد ثلاثة عقود في الأسواق، إن الواقع الهيكلي قاس لمعظم العملات الآسيوية، مشيراً إلى أن الروبية الإندونيسية والبيزو الفلبيني يبدوان الأكثر عرضة للخطر.
وأضاف أن مخاطر تعثر وقف إطلاق النار، واحتمال فرض حصار مزدوج على مضيق هرمز، إلى جانب تصاعد التضخم، تعني أن العملات الآسيوية لا تزال بعيدة عن دائرة الأمان، وقد يؤدي انهيار الهدنة إلى دوامة ركودية.
ويأتي هذا التحول بعد أسابيع من التفاؤل، حين دفعت الأنباء عن تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران المتعاملين للاعتقاد بأن أسوأ مراحل الصراع قد انتهت. حينها، بدأ المستثمرون العودة تدريجياً إلى الأصول عالية المخاطر، مع تراجع أسعار الطاقة وانحسار موجة البيع.
لكن هذا التفاؤل بات موضع إعادة تقييم سريعة. فمع ارتفاع أسعار النفط إلى ما يقارب أعلى مستوياتها في أربع سنوات، وتداول تقارير تشير إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيطلع قريباً على خطط جديدة محتملة لعمل عسكري ضد إيران، بدأ المستثمرون في فك مراكز استثمارية بُنيت على افتراض تهدئة التوترات.
وتبرز مؤشرات التحذير الأوضح في سوق المشتقات، حيث تسعر عقود خيارات العملات احتمالاً بنحو 33% لتراجع الروبية الإندونيسية إلى مستوى 18 ألفاً مقابل الدولار خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. كما تشير هذه العقود إلى احتمال بنسبة 18% لوصول البيزو الفلبيني إلى 65، والروبية الهندية إلى 100 مقابل الدولار خلال الفترة ذاتها.
وقال المحلل الاستراتيجي في بنك "MUFG"، لويد تشان، في مذكرة صدرت الخميس، إن الضغوط الهبوطية على العملات لن تتراجع إلا مع ظهور مؤشرات أكثر مصداقية على خفض التصعيد.
وجاء ضعف العملات أيضاً في أعقاب قرار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، يوم الأربعاء، الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وهي خطوة يرى محللون أنها تزيد الضغوط على عملات الأسواق الناشئة، مع ترجيح تأجيل خفض الفائدة الأميركية لفترة أطول، ما يعزز قوة الدولار.
وتتجه الأنظار الآن إلى قدرة البنوك المركزية في المنطقة على احتواء التداعيات. فقد أطلق البنك المركزي الهندي حزمة من الإجراءات، من بينها فتح نافذة مخصصة لمبادلة الدولار لمصافي النفط، وحظر البنوك من تقديم أكثر أدوات تداول الروبية الخارجية استخداماً، في مسعى للحد من المضاربات ودعم العملة، إلى جانب تكثيف تدخلاته المباشرة في السوق.
من جهته، أكد البنك المركزي الإندونيسي استعداده لاتخاذ مزيد من الخطوات لتحقيق استقرار الروبية، متعهداً بتكثيف التدخل في الأسواق المحلية والخارجية، إلى جانب تشديد قواعد شراء الدولار للحد من تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج. وفي الفلبين، ألمح البنك المركزي إلى استعداده لتنفيذ سلسلة زيادات محدودة في أسعار الفائدة لكبح التضخم.
ورغم ذلك، يحذر محللون من أن هذه الإجراءات قد تظل محدودة الأثر في غياب مؤشرات واضحة على تقدم حقيقي نحو إنهاء الحرب. كما بدأت الضغوط تمتد إلى خارج نطاق الأسواق الناشئة، إذ يتوقع متعاملون في اليابان أن تتدخل السلطات لدعم الين بعد تراجعه إلى ما دون 160 يناً مقابل الدولار، وهو أضعف مستوى له هذا العام.
وقال استراتيجي الاقتصاد الكلي في بنك "RBC" بسنغافورة، عباس كيشواني، إن "الأسوأ لم يأت بعد"، مشيراً إلى أن تداعيات صدمة الطاقة ستكون أشد وطأة على الروبية الهندية والبات التايلندي، إذ تشكل واردات النفط والغاز نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي أو أكثر في هذه الاقتصادات.