تشهد سوق الأسهم الأميركية موجة صعود جديدة، تقودها أسهم التكنولوجيا المرتفعة الأداء، ما دفع مؤشر S&P 500 إلى الاقتراب من تسجيل مستويات قياسية جديدة، وسط اندفاع واسع من المستثمرين الذين يلاحقون الزخم السريع.
وتغذي هذه الموجة تكهنات بأن أسوأ فصول التوترات المرتبطة بالحرب في إيران قد انقضت، ما شجع المتعاملين على ضخ السيولة في أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات مثل برودكوم وإنتل.
وخلال 21 جلسة من أصل آخر 23 جلسة تداول، سجلت أسهم شركات الرقائق مكاسب متتالية، في إشارة قوية إلى شهية المخاطرة المرتفعة في السوق. إلا أن هذا الصعود المفاجئ أعاد إلى الواجهة مصطلحاً شائعاً في أوساط وول ستريت: "الصعود المحموم" أو Melt-Up.
ما المقصود بـ"الصعود المحموم"؟
رغم أنه لا يظهر في القواميس الرسمية، فإن مصطلح "Melt-Up" يستخدمه المتداولون لوصف حالة من الارتفاع السريع والمتسارع في الأسعار، مدفوعاً بالمعنويات الإيجابية والخوف من تفويت الفرصة "FOMO"، أكثر من كونه قائماً على أساسيات الشركات.
وفي هذه الحالة، ينفصل التفاؤل الاستثماري عن عوامل مثل الأرباح والتدفقات النقدية، ويصبح المستثمرون في سباق محموم للحاق بالموجة الصاعدة، دون انتظار تصحيحات سعرية. وفي أقصى صوره، يبدو الصعود المحموم أشبه بحالة شراء بدافع الذعر، على غرار الذعر البيعي الذي يميز الانهيارات الحادة للأسواق. وغالباً ما تكون هذه الموجات عرضة لانعكاس سريع ومؤلم إذا ما تغيرت المعنويات.
متى يمكن اعتبار السوق في حالة Melt-Up؟
لا توجد معايير دقيقة أو رقمية للحكم على ذلك، إلا أن المصطلح يستخدم عادة عندما تتحول المكاسب المنتظمة إلى ارتفاعات متسارعة في فترة زمنية قصيرة. فعلى سبيل المثال، قفزت أسهم شركات الرقائق بنحو 50% منذ 30 مارس، في وتيرة يصعب تبريرها بالكامل بالتحسن في الأساسيات، بحسب ما ذكرته "بلومبرغ"، واطلعت عليه "العربية Business".
كما شهدت بعض الأسهم تقلبات لافتة دون مبررات مالية واضحة، مثل شركتي "Allbirds" للأحذية – التي قررت التحول إلى شركة مراكز بيانات ذكاء اصطناعي – و"Avis Budget". قفز سهم "Allbirds" بنسبة مذهلة بلغت 582% في يوم واحد بعد إعلان الشركة نيتها التحول إلى الذكاء الاصطناعي، قبل أن تفقد هذه المكاسب سريعاً.
وعلى مستوى أوسع، سجل مؤشر ناسداك 100 أفضل شهر له منذ أكتوبر 2002، بينما تظهر تدفقات الأموال إلى صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) إشارات إضافية على حالة "الصعود المحموم".
ووفقاً لبيانات "Strategas Securities"، يضخ المستثمرون نحو 6 مليارات دولار يومياً في صناديق الأسهم منذ أواخر مارس، أي ضعف المتوسط المسجل في وقت سابق من عام 2026.
هل شهدت الأسواق موجات مماثلة من قبل؟
تعد فقاعة شركات الإنترنت في عامي 1999 و2000 المثال الأشهر. حينها، ارتفعت الأسعار بوتيرة سريعة، وبلغت أحجام التداول مستويات قياسية، بينما كانت أرباح الشركات تتخلف كثيراً عن وتيرة صعود الأسهم، ما أدى في النهاية إلى فقاعة مدوية وانهيار حاد.
غير أن الفارق الرئيسي حالياً – وفقاً لبعض المحللين – يتمثل في أن غالبية الشركات الأميركية لا تزال تحقق أرباحاً قوية، مع توقعات باستمرار هذا الأداء خلال الفترة المقبلة، وهو ما يمنح السوق دعماً أساسياً لم يكن متوافراً بالكامل في فترات الهوس السابقة.
ولكن على الرغم من هذا، فإن الصعود الحموم ليس بالضرورة أن يكون "فقاعة"، فقد يدفع الأسعار إلى مستويات مبالغ فيها، لكنه لا يتحول إلى فقاعة إلا إذا ابتعدت الأسعار بشكل كبير ومطول عن مؤشرات الأداء الفعلي مثل الأرباح والمبيعات.
أما إذا لحقت أساسيات الشركات بالأسعار خلال فترة معقولة، فقد ينظر المستثمرون لاحقاً إلى هذه الموجة باعتبارها "رهاناً ذكياً" أو استباقاً مبكراً لاتجاه حقيقي في السوق، وليس فقاعة انفجرت.
من أين جاء المصطلح؟
مصطلح Melt-Up هو تلاعب لفظي بكلمة "Meltdown". ووفقاً لتعريفات لغوية، ظهر تعبير الكلمة في ثلاثينيات القرن الماضي في صناعة الآيس كريم لوصف سرعة ذوبانه، قبل أن يستخدم لاحقاً في خمسينيات القرن الماضي للإشارة إلى انصهار نواة المفاعل النووي، ثم أصبح رمزاً لأي تدهور سريع وكارثي.
أما "Melt-Up"، فيحمل المعنى المعاكس ظاهرياً، لكنه لا يقل خطورة، إذ يصف سوقاً تبدو منتشية بالصعود، قبل أن تكتشف فجأة أن هذا الصعود قد "ذابت" أسبابه.