في سباق عالمي يتسارع فيه تطوير الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، تواجه شركات التكنولوجيا معضلة معقدة: كيف يمكن إطلاق تقنيات جديدة بسرعة، دون التضحية بالمسؤولية والأمان والعدالة؟
هذا السؤال بات أكثر إلحاحًا بعد توجهات الإدارة الأميركية الأخيرة التي ركزت على الفوز بسباق الذكاء الاصطناعي، ما دفع الشركات الكبرى إلى الموازنة بين الابتكار السريع وبناء أنظمة أكثر موثوقية وإنسانية.
داخل "مايكروسوفت" تتولى جيني لاي-فلوري قيادة هذا التحدي من خلال منصبها الجديد كرئيسة لمجموعة التكنولوجيا الموثوقة، وهي الوحدة التي تجمع جميع مبادرات الشركة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي المسؤول وإمكانية الوصول والشمولية، بحسب تقرير نشرته شبكة "سي إن بي سي" واطلعت عليه "العربية Business".
من السرعة إلى الثقة
رغم أن قطاع التكنولوجيا اشتهر لعقود بشعار تحرك بسرعة وأصلح الأخطاء لاحقًا، فإن الانتقادات المتزايدة للذكاء الاصطناعي دفعت شركات كثيرة لإعادة التفكير في هذا النهج.
"مايكروسوفت" نفسها اعترفت بأن بعض أدوات البرمجة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي كانت تتجاهل معايير إمكانية الوصول، ما جعل التدخل البشري ضروريًا لتصحيح الأخطاء والتحيزات.
وبحسب لاي-فلوري، فإن تطوير التكنولوجيا بشكل مسؤول لا يتعلق فقط ببنائها بصورة صحيحة، بل بضمان استمرارها في العمل بطريقة صحيحة مع مرور الوقت.
عندما أخطأ الذكاء الاصطناعي في تمثيل المكفوفين
إحدى أبرز المشكلات التي واجهتها "مايكروسوفت" كانت تتعلق بتمثيل الأشخاص المكفوفين داخل الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي.
فبعض النماذج كانت تُظهر المكفوفين وهم يرتدون عصابات سوداء على أعينهم، وهي صورة نمطية بعيدة عن الواقع.
وترى لاي-فلوري أن السبب يعود إلى طبيعة البيانات المستخدمة لتدريب النماذج، والتي تعكس أحيانًا تحيزات المجتمع نفسه.
ولمعالجة المشكلة، تعاونت "مايكروسوفت" مع منصة Be My Eyes، وهي خدمة تساعد المكفوفين وضعاف البصر عبر متطوعين وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
واستخدمت الشركة أكثر من 20 مليون دقيقة من البيانات متعددة الوسائط لتدريب نماذجها بصورة أكثر دقة وإنصافًا، بعد إزالة أي معلومات تعريفية لحماية الخصوصية.
البيانات وحدها لا تكفي
ورغم هذه الخطوات، يرى بعض الخبراء أن تحسين التنوع في البيانات ليس الحل الكامل.
فبحسب آني براون، مؤسسة شركة Reliabl المتخصصة في تقليل التحيز داخل نماذج الذكاء الاصطناعي، فإن طريقة تصنيف البيانات نفسها قد تخلق تحيزات جديدة حتى لو كانت البيانات متنوعة.
وهذا يعكس التحدي الحقيقي أمام شركات الذكاء الاصطناعي: ليس فقط جمع البيانات، بل فهم كيفية تنظيمها وتفسيرها.
الذكاء الاصطناعي بين تسريح الموظفين وتمكين الفئات المهمشة
في الوقت الذي تعتمد فيه شركات كثيرة على الذكاء الاصطناعي لتقليل التكاليف وإعادة هيكلة الوظائف، تؤكد "مايكروسوفت" أن التكنولوجيا نفسها يمكن أن تمنح فرصًا جديدة لفئات طالما واجهت صعوبات في بيئة العمل.
وتقول لاي-فلوري إن مجتمع ذوي الإعاقة داخل "مايكروسوفت" كان من أوائل من حصلوا على أدوات كوبايلوت.
وبالنسبة للصم مثلًا، ساعدت تقنيات الترجمة الفورية، والتفريغ النصي للاجتماعات، والتعرف على لغة الإشارة في تعزيز الاستقلالية داخل العمل.
أما المستخدمون من أصحاب الاختلافات العصبية، فقد وجدوا في كوبايلوت وسيلة لتخفيف الضغط الذهني وتحسين الإنتاجية.
هل يكفي وجود فرق الأخلاقيات؟
يرى بعض الخبراء أن وجود فرق متخصصة في “التكنولوجيا المسؤولة” خطوة مهمة، لكنه ليس كافيًا وحده.
ويؤكد دييغو ماريسكال، مؤسس منصة 2Gether-International الداعمة لرواد الأعمال من ذوي الإعاقة، أن إشراك هذه الفئات في صناعة القرار نفسها ضروري لضمان أن تكون التكنولوجيا المستقبلية أكثر شمولًا للجميع.
معركة الذكاء الاصطناعي لم تعد تقنية فقط
ما يحدث اليوم داخل شركات مثل "مايكروسوفت" يكشف أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد منافسة على الأداء أو السرعة، بل أصبح معركة حول من يستطيع بناء أنظمة أكثر عدالة وشفافية وقابلية للاستخدام البشري الحقيقي.
ومع توسع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل تفاصيل الحياة والعمل، يبدو أن أنسنة التكنولوجيا قد تتحول قريبًا من ميزة إضافية إلى شرط أساسي لنجاح أي منصة مستقبلية.