خلاف تاريخي يهدد أحد أهم تحالفات أوكرانيا في زمن الحرب

وروسيا "المستفيد الأكبر"

المصدر: واشنطن : بندر الدوشي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تصاعدت حدة الخلافات بين بولندا وأوكرانيا على خلفية نزاع تاريخي يعود إلى الحرب العالمية الثانية، في أزمة تهدد أحد أبرز التحالفات الداعمة لكييف في حربها مع روسيا، وتثير مخاوف أوروبية من أن تصب في مصلحة موسكو.

وبينما تؤكد بولندا أنها تدافع عن الحقيقة التاريخية المتعلقة بمجازر تعرض لها البولنديون، ترى أوكرانيا أن إثارة هذا الملف في الوقت الحالي تمثل إساءة غير مبررة لدولة تخوض حربًا من أجل بقائها.

وجاءت الأزمة في وقت تكثف فيه أوروبا والولايات المتحدة ضغوطهما على روسيا لإنهاء الحرب، فيما حذر مسؤولون أوروبيون من أن تصاعد التوتر بين وارسو وكييف يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة لاستغلال الانقسام بين الحليفين وفقا لتقرير نشرته شبكة (NBC) الأميركية.

سحب وسام رفيع من زيلينسكي

وتفاقمت الأزمة بعدما قرر الرئيس البولندي، كارول ناوروتسكي، سحب أعلى وسام بولندي كان قد مُنح لنظيره الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، وهو ما رفع مستوى الخلاف إلى أزمة دبلوماسية دفعت زيلينسكي إلى التغيب عن مؤتمر مهم حول إعادة إعمار أوكرانيا استضافته بولندا.

ويتمحور النزاع حول جيش التمرد الأوكراني (UPA)، الذي تتهمه بولندا بارتكاب عمليات قتل جماعي بحق المدنيين البولنديين خلال الحرب العالمية الثانية.

وفي حين ينظر بعض الأوكرانيين إلى مقاتلي هذا الجيش باعتبارهم رموزا قومية قاومت الاحتلالين السوفيتي والنازي، أثار قرار زيلينسكي إطلاق اسم الجيش على إحدى الوحدات العسكرية غضبا واسعا في بولندا، التي بدأت تظهر فيها مؤشرات على تراجع الحماس الشعبي لدعم أوكرانيا نتيجة أعباء اللاجئين والتكاليف الاقتصادية للحرب.

بولندا: دعمنا مستمر لكن التاريخ لا يمكن تجاهله

وأكد ناوروتسكي أن قراره لا يستهدف الشعب الأوكراني، مشددا على أن بلاده ستواصل دعم كييف لأن "العدوان الروسي يشكل تهديدًا لأمن بولندا وأوروبا بأكملها".

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي يتطلب "الاستعداد لمواجهة الفصول الصعبة من تاريخها بصدق".

كما دعا زعيم المعارضة البولندية اليمينية الحكومة إلى عرقلة مسار انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، رغم انطلاق المرحلة الأولى من مفاوضات العضوية.

كييف تخشى تداعيات سياسية وعسكرية

وحذر النائب الأوكراني، ميكولا كنياجيتسكي، الرئيس المشارك لمجموعة الصداقة البرلمانية الأوكرانية البولندية، من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تهميش دور بولندا وإبعادها عن عملية السلام الخاصة بأوكرانيا.

وقال إن وارسو تمثل مركزا لوجستيا رئيسيا لنقل الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا، كما تؤدي دورا مهمًا في تنسيق علاقاتها مع أوروبا، مؤكدًا أن تراجع هذا الدور "سيخلق الكثير من المشكلات لأوكرانيا".

ويتبادل الطرفان الاتهامات باستغلال القضية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية؛ إذ يقول مسؤولون بولنديون إن زيلينسكي يحاول صرف الأنظار عن قضايا فساد، بينما يرى الرئيس الأوكراني أن القيادة البولندية توظف الملف استعدادا للانتخابات المقبلة.

إرث دموي يعود إلى الحرب العالمية الثانية

وتتهم بولندا عناصر جيش التمرد الأوكراني بقتل نحو 100 ألف بولندي في منطقة فولين بين عامي 1943 و1945، وتعتبر تلك الأحداث إبادة جماعية، بينما قتل أيضًا آلاف الأوكرانيين في عمليات انتقامية لاحقة.

ويرى المؤرخ زبيغنيف فويونوفسكي، من جامعة أكسفورد، أن صورة الجيش في الذاكرة الأوكرانية ترتبط بمقاومته اللاحقة للاتحاد السوفيتي حتى خمسينيات القرن الماضي، وهو ما يجعله حاضرًا في الخطاب الوطني الأوكراني لتعزيز المعنويات خلال الحرب الحالية مع روسيا.

في المقابل، لا يصف المعهد الأوكراني للذاكرة الوطنية تلك الأحداث بأنها مجازر، بل يعتبرها "صفحة مأساوية"، في تاريخ الشعبين وجزءا من المواجهة الأوكرانية البولندية.

زيلينسكي: سنبقى أصدقاء

ورفض زيلينسكي الحديث عن انهيار العلاقات مع بولندا، مؤكدًا أن البلدين "لا يمكن إلا أن يكونا شريكين وصديقين لأنهما جاران".

وأوضح أن تسمية الوحدة العسكرية جاءت بناءً على طلب الجنود أنفسهم، وأنه يدعم قرارهم بالكامل، قبل أن ينشر صورا لإعادة الوسام البولندي إلى وارسو بعد قرار سحبه.

من جانبه، دعا رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، المعروف بدعمه القوي لأوكرانيا، إلى تهدئة التوتر، مؤكدا أن "خط الجبهة الحقيقي يقع في مكان آخر".

كما حذرت المفوضية الأوروبية من أن المستفيد الوحيد من هذا التصعيد هو روسيا.

موسكو تستغل الأزمة

وسارعت روسيا إلى استثمار الخلاف، إذ كرر المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، اتهام أوكرانيا ب"تمجيد النازيين"، معتبرا أن بولندا غير راضية عن ذلك، لكنها في الوقت نفسه تخطط للمشاركة في إعادة إعمار أوكرانيا، ووصف الأمر بأنه "مفارقة".

كما احتفى عدد من القوميين الروس بالأزمة، بينما سخرت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، من تبادل الأوسمة بين البلدين، معتبرة أن ما يجري يمثل فصلًا محرجًا في العلاقات بين وارسو وكييف.

ويرى مسؤولون أوكرانيون أن روسيا تستغل هذا الخلاف التاريخي لتعميق الانقسام بين الحليفين، مستفيدة من استمرار الجدل حول أحداث لم تُحسم روايتها التاريخية بصورة مشتركة حتى اليوم.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط