لماذا اختار ماكرون دمشق الآن؟ رسائل التوقيت

المصدر: العربية.نت - مروة الوجيه
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

في خطوة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية وأمنية، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، في أول زيارة يجريها رئيس دولة من الاتحاد الأوروبي إلى سوريا منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد عام 2024، في تحرك يعكس تحولًا لافتًا في المقاربة الأوروبية تجاه الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع.
وتأتي الزيارة في وقت تتسارع فيه التحركات الإقليمية والدولية لإعادة رسم خريطة النفوذ في سوريا، بينما تسعى دمشق إلى كسر عزلتها الدولية واستقطاب شركاء غربيين للمساهمة في إعادة الإعمار، في حين تحاول باريس تثبيت موقعها مبكرًا في مرحلة ما بعد الأسد.


من القطيعة إلى الانخراط


كانت فرنسا من أكثر الدول الأوروبية تشددًا تجاه نظام بشار الأسد طوال سنوات الحرب، وربطت أي انفتاح سياسي بحدوث انتقال سياسي شامل. لكن سقوط النظام وصعود إدارة جديدة بقيادة أحمد الشرع دفعا باريس إلى مراجعة حساباتها، لتصبح من أوائل العواصم الغربية التي فتحت قنوات اتصال مباشرة مع دمشق.
وتوج هذا المسار باستقبال ماكرون للرئيس السوري أحمد الشرع في باريس العام الماضي، قبل أن يرد الرئيس الفرنسي الزيارة إلى دمشق، في خطوة ينظر إليها على أنها بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين.

وخلال الزيارة، شدد ماكرون على دعم فرنسا لـ"سوريا ذات سيادة، موحدة، تعيش بسلام مع جيرانها"، فيما أكد قصر الإليزيه أن باريس تؤيد بناء دولة سورية تمثل جميع مكوناتها وتحترم التعددية. وتعكس هذه الرسائل أن الانفتاح الفرنسي ليس دعمًا غير مشروط، بل يرتبط باستمرار عملية الانتقال السياسي، وحماية الأقليات، وتعزيز مؤسسات الدولة، وهي الملفات التي لا تزال تمثل أولوية بالنسبة للعواصم الغربية.


رهان سياسي لماكرون


يرى الباحث المتخصص في الشأن السوري آرثر كيسناي (Arthur Quesnay) أن الرئيس الفرنسي كان من أبرز الداعمين لإعادة دمج أحمد الشرع في الساحة الدولية، معتبرًا أن ماكرون منح الرئيس السوري الجديد "دفعة على الساحة الدولية"، وأصبح اليوم بحاجة إلى إثبات أن هذا الرهان كان في محله.
ويعكس هذا التقييم أن الزيارة تتجاوز إطار المجاملة الدبلوماسية، إذ تمثل اختبارًا للسياسة التي انتهجتها باريس منذ وصول الشرع إلى السلطة، بعدما راهنت مبكرًا على إمكانية بناء شراكة مع القيادة السورية الجديدة، في وقت لا تزال فيه دول غربية أخرى تتعامل بحذر مع المشهد الجديد في دمشق.

لماذا تهتم فرنسا بسوريا؟


لا يرتبط الاهتمام الفرنسي بسوريا بالبعد الدبلوماسي فقط، بل يتداخل مع مجموعة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية. فمن الناحية السياسية، تسعى باريس إلى استعادة دورها في أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيدًا، بعد سنوات تراجع خلالها نفوذها لصالح قوى إقليمية ودولية أخرى. أما اقتصاديًا، فترى فرنسا في مرحلة إعادة الإعمار فرصة لعودة شركاتها الكبرى إلى السوق السورية، خاصة في قطاعات الطاقة، والنقل، والخدمات اللوجستية، وهو ما يفسر مرافقة وفد من رجال الأعمال للرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى دمشق.
ويرى الدبلوماسي السوري السابق بسام بربندي أن فرنسا تسعى أيضًا إلى تثبيت موطئ قدم لها في سوريا الجديدة، وتوجيه رسالة إلى شركائها الغربيين بأنها لا تنوي البقاء خارج معادلة النفوذ التي تتشكل في البلاد بعد سقوط نظام بشار الأسد، في وقت يعتقد فيه الباحث آرثر كيسناي أن باريس تراهن على نجاح المرحلة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، بعد أن كانت من أوائل العواصم الغربية التي انفتحت على الإدارة الجديدة.



الأمن أولًا


لا تقل الاعتبارات الأمنية أهمية عن المصالح السياسية والاقتصادية في الحسابات الفرنسية. فبعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها فرنسا خلال السنوات الماضية، ترى باريس أن استقرار سوريا يمثل عنصرًا أساسيًا لمنع عودة تنظيم داعش والتنظيمات المتشددة، فضلًا عن الحد من موجات الهجرة غير النظامية التي تؤرق العواصم الأوروبية.
ولهذا تنظر فرنسا إلى استقرار الأوضاع داخل سوريا باعتباره جزءًا من أمنها القومي، وهو ما يفسر استمرار اهتمامها بالملف السوري، رغم تغير موازين القوى على الأرض.


رسالة رغم التفجيرات


اكتسبت الزيارة أهمية إضافية بعدما هز انفجاران العاصمة دمشق أثناء وجود ماكرون، ما أدى إلى إصابة 18 شخصًا قرب الفندق الذي أقام فيه الوفد الفرنسي.
ورغم الحادث، واصل الرئيس الفرنسي برنامج زيارته كما كان مقررًا، والتقى الرئيس أحمد الشرع وعقد لقاءات مع ممثلين عن المجتمع المدني، في رسالة سياسية مفادها أن باريس ماضية في سياسة الانفتاح على دمشق رغم استمرار التحديات الأمنية.

انفجار عبوات ناسفة بالقرب من مقر إقامة الرئيس الفرنسي في دمشق (رويترز)
انفجار عبوات ناسفة بالقرب من مقر إقامة الرئيس الفرنسي في دمشق (رويترز)


هل تقود فرنسا انفتاحًا أوروبيًا؟


لا تبدو زيارة ماكرون مجرد حدث ثنائي بين باريس ودمشق، بل قد تمثل بداية لتحول أوسع في الموقف الأوروبي تجاه سوريا.
فكونه أول رئيس دولة من الاتحاد الأوروبي يزور دمشق منذ سقوط نظام الأسد يمنح الزيارة دلالة تتجاوز العلاقات الفرنسية السورية، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت باريس تمهد الطريق أمام عواصم أوروبية أخرى لاستئناف علاقاتها مع الإدارة السورية الجديدة، خصوصًا مع تراجع العزلة الدولية تدريجيًا وتخفيف جزء من العقوبات الغربية.
وفي المقابل، ترى دمشق في الانفتاح الفرنسي فرصة لتعزيز شرعيتها الدولية، وجذب الاستثمارات الغربية، وإعادة دمجها تدريجيًا في المشهدين الإقليمي والدولي.
ورغم أن نتائج الزيارة لن تتضح في المدى القريب، فإن مجرد وصول أول رئيس دولة من الاتحاد الأوروبي إلى دمشق بعد سقوط نظام الأسد يعكس تحولًا لافتًا في المقاربة الغربية تجاه سوريا. وبين سعي دمشق إلى كسر عزلتها الدولية، ورغبة باريس في استعادة نفوذها السياسي والاقتصادي، تبدو الزيارة بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم شكل العلاقة بين أوروبا وسوريا خلال السنوات المقبلة، إذا نجحت الإدارة السورية الجديدة في الحفاظ على الاستقرار والمضي في الإصلاحات التي يترقبها الغرب.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط