بين طموحات كبرى لمصر لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ونقص ملحوظ في العمالة الفنية المؤهلة، تخوض بعض المصانع المصرية صراعات يومية للحفاظ على عمالتها من الانتقال إلى مصانع منافسة تقدم حوافز مالية أفضل، أو مغادرة خطوط الإنتاج نهائياً للعمل في أنشطة بديلة غير رسمية مثل "التوك توك"، بحسب ما قاله 3 رؤساء شركات بقطاعات مختلفة لـ"العربية Business".
المسؤولون الثلاثة اتفقوا على أن أزمة نقص العمالة الماهرة في مصر قد تمثل عائقاً أمام خطط التوسع الصناعي المستهدفة، وتهدد قدرة البلاد على جذب استثمارات أجنبية جديدة وتحقيق العوائد التصديرية المأمولة.
وحذر المسؤولون من أن اتساع الفجوة بين احتياجات المصانع ومخرجات التعليم الفني والتدريب قد يزيد من حدة المنافسة على العمالة، ويحد من قدرة الدولة على الاستفادة من موجة الاستثمارات الجديدة وتحويلها إلى طاقات إنتاجية وفرص عمل مستدامة.
لماذا يهجر العمال مصانعهم؟
قال رئيس شركة "تي آند سي" للملابس الجاهزة المصرية، مجدي طلبة، إن بعض المصانع المصرية تواجه "عجزاً رهيباً" في العمالة المدربة والمؤهلة خلال الفترة الحالية، وأن المنافسة على الكوادر العمالية أصبحت "شديدة" للغاية.
وأوضح طلبة لـ"العربية Business" أن بعض المصانع بدأت تستقطب عمال الشركات الأخرى المنافسة لتعويض النقص الكبير، مشيراً إلى أن شركته اضطرت إلى تخصيص أفراد أمن قبل أيام لإزالة منشورات توظيف على جدرانها تستهدف اقتناص عمالها.
وقال: "الأزمة لا تقتصر على احتدام المنافسة بين المصانع على العمالة الجيدة، لكن اتجاه بعض العاملين للعمل في أنشطة خارج القطاع الرسمي، مثل قيادة التوك توك، يفاقم المشكلة".
جوهر الأزمة الحالية يتمثل في محدودية أعداد العمالة الفنية المدربة، حيث يرى طلبة أنها ستكون أحد أبرز التحديات أمام التوسع الصناعي في مصر مستقبلاً.
واتفق معه رئيس شركة الدلتا للسكر، أحمد شيرين كريم، الذي قال لـ"العربية Business" إن أزمة نقص العمالة المؤهلة لا تقتصر على صناعات محددة بل تمتد لتشمل قطاعات عديدة مثل السيارات ومكوناتها، والصناعات المغذية، والمنسوجات، والكيماويات، والصناعات التكميلية، وتكنولوجيا المعلومات، بالتزامن مع تزايد الطلب على العمالة المصرية في أسواق الخليج وأوروبا.
واعتبر كريم أن انتقال العمال من مصنع إلى آخر، أو حتى خروجهم من القطاع الصناعي إلى أنشطة غير رسمية، نتيجة طبيعية لآليات العرض والطلب في سوق العمل، إذ يسعى العامل إلى الوظيفة التي توفر له دخلاً أعلى أو مزايا أفضل.
وقدر كريم متوسط أجور العاملين في أغلب المصانع الخاصة بمصر بما يتراوح بين 7 و8 آلاف جنيه شهرياً، وهو مستوى لم يعد كافياً للاحتفاظ بالعمالة الماهرة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأضاف أن منظومة الأجور والحوافز في بعض المصانع تحتاج إلى إعادة نظر لضمان استقرار العمال داخل المصانع لتلبية الاحتياجات الإنتاجية.
ولم تختلف رؤية رئيس شعبة الأجهزة المنزلية باتحاد الصناعات المصرية، حسن مبروك، عن الآراء السابقة، حيث رأى أيضاً أن ضعف الأجور مقارنة بمتطلبات المعيشة يدفع كثيراً من العمال إلى البحث عن فرص تحقق دخلاً أسرع أو أعلى، سواء بالانتقال إلى مصانع منافسة أو العمل في أنشطة خارج القطاع الرسمي.
وأضاف مبروك لـ"العربية Business" أن دخول شركات عالمية كبرى إلى قطاع الأجهزة المنزلية مثل "هاير" و"بيكو" و"بوش" و"سيمنز" إلى السوق المصرية رفع حدة المنافسة على العمالة الفنية المؤهلة في القطاع، ودفع الشركات المحلية للعمل على تحسين مستويات الأجور للحفاظ على العمالة.
عوائد مغرية لـ"التوك توك"
إلى ذلك، قال سيد نصر، وهو سائق "توك توك" أربعيني، يعمل بالقرب من إحدى المناطق الصناعية في محافظة القليوبية، إن عوائد "التوك توك" مُغرية بالفعل لعمال المصانع، حيث يمكن للسائق أن يحقق شهرياً عوائد تتجاوز 13 ألف جنيه.
وأضاف نصر لـ"العربية Business": "سائق التوكتوك ممكن يشتغل بنحو 600-700 جنيه في اليوم الواحد، وبعد خصم الوقود وتجنيب جزء لمصاريف الصيانة الدورية ممكن يوصل الدخل الصافي إلى 400 أو 500 جنيه يومياً".
وفي وقت سابق، قدر أستاذ الإدارة المحلية والحكومية حمدي عرفة، إيرادات قطاع التوك توك في مصر بنحو 18.8 مليار جنيه شهرياً، بمتوسط دخل يومي صافي يصل إلى 300 جنيه لكل مركبة.
وقال عرفة في تصريحات صحفية نهاية العام الماضي، إن السوق المصرية تضم نحو 5 ملايين "توك توك" تخدم قرابة 28 مليون راكب يومياً في 27 محافظة.
لماذا لم تنجح المدارس الفنية في سد الفجوة؟
اتفق المسؤولون الثلاثة على أن جهود الدولة والقطاع الخاص في إنشاء المدارس الفنية ومدارس التكنولوجيا التطبيقية خلال السنوات الماضية، لم تنجح بشكل كامل في سد الفجوة بين احتياجات الصناعة وحجم العمالة المؤهلة، في ظل الطفرة الصناعية الكبيرة التي تشهدها مصر وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
وقال مبروك إن المدارس التي أنشأتها شركات مثل "السويدي" و"فريش" و"العربي"، إلى جانب المدارس المدعومة من شركاء دوليين مثل الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، تمثل نماذج ناجحة لإعداد العمالة الفنية، لكنها لا تزال محدودة مقارنة باحتياجات السوق.
وأضاف أن استمرار انتقال العمالة بين المصانع والقطاعات المختلفة يفرض التوسع في إنشاء المدارس الفنية ومراكز التدريب، مع إعادة هيكلة منظومة التدريب المهني والكفاية الإنتاجية لتعمل وفق احتياجات الصناعة، على غرار النماذج التي يطبقها القطاع الخاص.
وحذر كريم من أن استمرار تدفق الاستثمارات الصناعية دون زيادة موازية في أعداد العمالة المؤهلة قد يفاقم أزمة العمالة خلال السنوات المقبلة.
ودعا كريم الحكومة المصرية إلى ضرورة التوسع في إنشاء مدارس ومراكز تدريب فني بالشراكة مع القطاع الخاص، مع تقديم حوافز استثمارية للشركات الراغبة في الاستثمار في التعليم الفني.
كما دعا إلى تطبيق نماذج شراكة تسمح للقطاع الخاص بإدارة وتشغيل مؤسسات التعليم الفني وفق احتياجات سوق العمل، بما يضمن تخريج كوادر تمتلك المهارات المطلوبة وتوفر فرص عمل للطلاب قبل تخرجهم.
وأشار إلى أن التعليم الفني يجب أن يُنظر إليه باعتباره استثماراً اقتصادياً يدعم التوظيف ويعزز القدرة التنافسية للصناعة المصرية.
وتشير بيانات المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، إلى زيادة عدد مدارس التعليم الفني في مصر بنسبة 104.1% بنهاية العام المالي 2024/2025، لتصل إلى 3444 مدرسة، مقابل 1687 مدرسة عام 2013/2014، كما تضاعفت أعداد طلاب التعليم الفني إلى 3 ملايين طالب مقابل 1.5 مليون طالب عام 2013/2014.
وتواصل الحكومة المصرية التوسع في أعداد المدارس الفنية والتكنولوجية، إذ أعلنت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني قبل أيام عن بدء الدراسة بمدارس حديد عز للتكنولوجيا التطبيقية (7 مدارس) مع انطلاق العام الدراسي 2026/2027، وذلك في إطار تعاون ثلاثي يجمع الوزارة وشركة حديد عز وشركة دانيلي الإيطالية.
وخلال السنوات الماضية تم افتتاح 115 مدرسة تكنولوجيا تطبيقية في مصر، أبرزها: مدرسة السويدي الدولية، وإلكترو مصر وHST، وإيجيبت جولد، كما يتم التوسع في إنشاء مدارس متخصصة لخدمة المشروعات القومية من بينها مدارس البترول والبتروكيماويات، ومدرسة تكنولوجيا الطاقة النووية بالضبعة، ومدارس الطاقة.