يعاني العراق من أزمة مياه مستمرة بسبب الجفاف والتغيرات المناخية ما أدى إلى تراجع كبير في المخزون المائي وانخفاض منسوب نهري دجلة والفرات، ليمتد التأثير إلى القطاع الزراعي الذي يعاني من تراجع المساحات المزروعة بسبب نقص مياه الري.
وخلال الموسم الحالي استفاد العراق من ارتفاع معدلات تساقط الأمطار التي ساهمت في توفير جزء من الاحتياجات المطلوبة للزراعة، ولكنها لا تعتبر حلاً مستداماً يمكن الاعتماد عليه في ظل الاحتباس الحراري والتغير المناخي.
العراق يتفاوض مع تركيا بشكل مستمر لزيادة الإطلاقات المائية في نهري دجلة والفرات، وعلى الرغم من الوصول إلى تفاهمات لزيادة حصته المائية إلا أنها تبقى مرهونة بالقرار التركي، حيث قال وزير الموارد المائية العراقي عون ذياب عبدالله إن العراق لا يمتلك أي اتفاقية ملزمة مع تركيا تخص تقاسم المياه بحصص محددة.
وأضاف عبدالله، قبل أيام خلال استضافته في مجلس النواب، أن "العراق يمر بظروف صعبة هي الأسوأ في هذا العام نتيجة التغيرات المناخية واستثمار تركيا للموارد المائية داخل أراضيها"، مشيراً إلى أن "الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمياه تنص على مطالبة دول المنبع بعدم الإضرار بمصلحة دول المصب، ولكن الاتفاقية اﻹطارية مع تركيا لا ترتقي إلى مستوى اتفاقية".
وتحدث وزير الموارد المائية عن الحلول غير التقليدية ومنها "منح أولوية لمعالجة أزمة المياه ومواجهتها بحزم من خلال إيجاد البدائل، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر كجزء من الحل لتغطية الحاجة في المحافظات الجنوبية، والاستفادة من المياه العائدة من خلال معالجتها وإرجاعها إلى النهر ووضع آلية حديثة لتقنين طرق الري لتكون بديلاً عن الوسائل القديمة".
محطات التحلية
وبالفعل بدأت الحكومة العراقية تنفيذ مشروعات لتحلية المياه، منها محطات تحلية تجريبية وصلت إلى محافظة البصرة ضمن الاتفاقية العراقية - البريطانية لتصفية مياه المبازل وتحلية مياه البحر وإنتاج نحو 1.75 مليون متر مكعب في اليوم من المياه المعالجة.
كما سيتم معالجة مصادر المياه المستدامة غير التقليدية في العراق والتي تشمل "مياه المبازل الزراعية - مياه الصرف الصحي المعالجة - مياه الأمطار - فضلاً عن معالجة مياه البحر المالحة وإيصالها إلى أحواض التوازن ضمن ظاهرة المد والجزر وبتنفيذ تحالف IHS البريطاني".
ومن المقرر أن يتم تنفيذ هذه المحطات في محافظات "البصرة - واسط - الأنبار - الديوانية - ذي قار"، والتي تشهد انخفاضاً واضحاً في مناسيب المياه وارتفاع اللسان الملحي فيها والتي تتطلب تنوعاً في مصادر المياه غير التقليدية.
من جانبه، أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، اعتماد الحكومة عدة مسارات لتوفير المياه الصالحة للشرب وأهمها مشاريع تحلية المياه.
وقال إن "الحكومة العراقية الحالية نفذت 21 مشروعاً لمياه الشرب على مستوى بغداد والمحافظات، و40 مشروعاً أخرى قيد الإنجاز"، موضحاً "أنه تم اتخاذ عدة مسارات لتوفير المياه الصالحة للشرب وأهمها مشاريع تحلية المياه، ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي من الموصل إلى البصرة".
وتابع السوداني: "التغطية في مشاريع محطات معالجة مياه الصرف الصحي رفعت النسبة من 22% إلى 40%، ومن المستهدف أن تصل إلى 70% بعد الانتهاء من مشاريع مياه الصرف الصحي وشبكات الأمطار".
الاستمطار الصناعي
لجأ العراق إلى حل آخر لزيادة موارده المائية، حيث أعلن مركز الأرصاد الجوية في وزارة الزراعة عن إنجاز التقرير النهائي الخاص بمشروع "الاستمطار الصناعي"، مع مقترح لتشكيل مركز وطني متخصص بالاستمطار والاستدامة المائية وتلقي عروض من شركات ألمانية وفرنسية وصينية.
وقال مدير المركز وعضو اللجنة الوطنية للاستمطار الصناعي، أحمد كريم، إن "اللجنة المختصة أكملت أعمالها ورفعت تقريرها النهائي إلى مكتب رئيس الوزراء، وهي بانتظار استكمال الموافقات الرسمية"، مبيناً، أن "أعضاء اللجنة صوتوا بالإجماع على مقترح تشكيل المركز الوطني للاستمطار الصناعي والاستدامة المائية، ومن المتوقع تفعيله خلال الحكومة المقبلة".
وأضاف كريم أن "اللجنة اطلعت على تجارب دول الإقليم المجاورة والشركات العاملة في هذا المجال لضمان تطبيق المعايير العلمية الصحيحة"، مشيراً إلى أن "اللجنة استعرضت عروضاً لشركات ألمانية وفرنسية وصينية، وسيتم اختيار الشركة الأنسب التي تتوافق مع القرارات الحكومية ولها تجربة في المحيط الإقليمي للعراق بعد إقرار المركز وتخصيص الموازنة المالية له".
وأوضح أن "اللجوء إلى خيار الاستمطار الصناعي جاء كحل مُلِح يتماشى مع التطور العالمي لمواجهة التغيرات المناخية الحادة، وتفاقم أزمة شح المياه، وقلة الإطلاقات المائية التي يعاني منها العراق"، لافتاً إلى أن "عمل اللجنة سيتحول إلى دور توجيهي فور تأسيس المركز الذي سيتولى الإدارة التنفيذية للمشروع".
مياه الأمطار
ومع ارتفاع معدلات تساقط الأمطار في العراق خلال الشهرين الماضيين، قررت مديرية الموارد المائية في محافظة الأنبار تقليل إطلاق المياه في نهر الفرات إلى 150 متراً مكعباً في الثانية للحفاظ على المخزون الاستراتيجي.
وقالت المديرية إن "الموقف الحالي مسيطر عليه لكنه قد يتفاقم خلال الأشهر المقبلة في حال شح الأمطار والسيول أو عدم ضمان الإطلاقات المائية من دول المنبع (سوريا وتركيا)".
وخلال الشهر الماضي، أعلنت وزارة الموارد المائية نجاحها في إدارة الموجة الأخيرة من الأمطار والسيول بكفاءة عالية، وذلك بعد سلسلة من المواسم المائية الشحيحة التي عانت منها البلاد.
ووفقاً للوزارة، تم تعزيز المخزون المائي لسدود عموم العراق بأكثر من ثلاثة أرباع مليار متر مكعب، كما تم توفير ما يزيد عن 120 مليون متر مكعب من خلال الإجراءات الاحترازية التي شملت تخفيض الإطلاقات المائية من منشآت التخزين الرئيسية.
وأشارت الوزارة إلى أن الأمطار ساهمت في تأمين احتياجات الرية الأولى للموسم الشتوي الحالي لأغلب المناطق الزراعية، خصوصاً في محافظات الوسط والجنوب، مما سيسهم بشكل كبير جداً في دعم الإنتاج الزراعي وتقليل آثار الشح المائي.
أزمة الزراعة
وعلى مدار السنوات الماضية تراجعت نسبة الأراضي الزراعية المستغلة في العراق بسبب شح المياه وقلة تساقط الأمطار، والجفاف وتغير المناخ.
ووفقاً لتقرير صادر مؤخراً عن مرصد "إيكو العراق" فإن 46% فقط من الأراضي الزراعية يتم استغلالها في العراق من أصل 28 مليون دونم صالحة للزراعة.
وقال المرصد: "مساحة الأراضي الصالحة للزراعة تبلغ 28 مليون دونم، لكن أكثر من نصفها غير مستغل، إذ أن 13 مليون دونم فقط منها ضمن العملية الزراعية"، موضحاً أن الأراضي الزراعية في العراق تنقسم إلى قسمين أراض ديمية تعتمد على مياه الأمطار كما في محافظتي المثنى وصلاح الدين، والقسم الآخر يتمثل بالأراضي المروية التي تعتمد على الأنهار وشبكات الري، مثل محافظة واسط التي تعد من أكثر المحافظات اعتماداً على هذا النوع من الزراعة".
وأشار المرصد إلى ضرورة وضع استراتيجية وطنية عاجلة لإدارة المياه والزراعة تشمل تحديث شبكات الري واعتماد التقنيات الحديثة، ودعم المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه وتشجيع الاستثمار الزراعي، وتنمية المناطق الريفية.