تشهد الساحة التونسية حراكا متسارعا خلال الفترة الأخيرة، يهدف إلى بناء "جبهة سياسية" ديمقراطية تعمل على إعادة التوازن الحزبي وضمان توفير حزام سياسي قوي ومؤثر لحكومة "الوحدة الوطنية"، لعل هذا ما يفسر التسريبات التي تشير إلى وجود دعم لهذه المبادرة، من "قصر الرئاسة" بقرطاج، الجهة الأكثر حرصا على نجاح حكومة يوسف الشاهد.
كشفت أزمة حزب "نداء تونس"، الذي تفككت هياكله ومؤسساته القيادية وانقسمت كتلته البرلمانية، عن حصول انخرام وعدم توازن كبيرين في المشهد السياسي والحزبي، تمثل في إعادة هيمنة "حركة النهضة" على الحياة السياسية.
هيمنة "النهضة" ترجمت داخل مؤسسات الحكم، وبصفة خاصة البرلمان الذي يعد أصل السلطات في نظام تغلب عليه الصبغة البرلمانية، بعد أن أصبحت كتلته هي الأكبر.
كما أن حزب "النهضة" هو الأكثر حضورا في الشارع، وترجم ذلك عبر تنظيم تحركات واجتماعات في كامل الجهات، بإشراف زعيم الحركة راشد الغنوشي، وهو ما جعل المراقبين للمشهد التونسي يرون أنه الأكثر استعدادا للاستحقاقات السياسية القادمة، خاصةً الانتخابات المحلية التي تم ترحيل موعدها أكثر من مرة، ويُتوقع أن تتم في أكتوبر/تشرين الأول 2017، وكذلك الانتخابات التشريعية والرئاسية، المبرمجة لسنة 2019.
هذا الوضع الذي يذكِّر بفترة 2011-2012، جعل الأمين العام السابق لـ"الحزب الجمهوري"، أحمد نجيب الشابي، يصرح بأن تنظيم انتخابات في مثل المشهد الحزبي والسياسي الحالي ستكون "النهضة" مستفيدة وحيدة منه، وسيعيد إنتاج مخرجات انتخابات 2011، التي فاز فيها الإسلاميون بالأغلبية الشبه مطلقة.
في ذات السياق، عبّر الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، في تصريحات إعلامية وكذلك في لقاءات جمعته خلال الفترة الأخيرة مع عدد من السياسيين، عن "انزعاجه" من إعادة انخرام الخارطة الحزبية، بعد تفكك حزب "نداء تونس" الذي أسسه في 2012، وأعاد معه بعض التوازن في المشهد التونسي مقابل "النهضة". يذكر أن "نداء تونس" هو الحزب الذي فاز بالانتخابات البرلمانية والرئاسية في سنة 2014، وصعد للحكم لكنه لم يستطع المحافظة على وحدته وعلى تماسك هياكله.
يذكر أن هناك حالة إجماع على أن تفكك وانحلال حزب "نداء تونس" أدى إلى ارباك الوضع العام في تونس، فقد صدّر "الحزب الحاكم" أزماته وصراعاته إلى مؤسسات الحكم بعد أن فقد الأغلبية في البرلمان، إضافة إلى عدم توفيره السند والحزام الحزبي المطلوب منه للحكومة.
ولعل هذا الوضع أدى إلى تحول أزمة "نداء تونس" إلى "أزمة حكم"، كانت من الأسباب الرئيسية وراء فشل حكومة الحبيب الصيد، الذي عينه "نداء تونس" لرئاسة الحكومة قبل أن يتخلى عنه، سواء من خلال عدم مساندة سياسات حكومته، أو بعد تحميله مسؤولية الفشل في إدارة البلاد، خاصة في ما يتعلق بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية. هذا الأمر دفع السبسي إلى المبادرة بالدعوة لتشكيل حكومة "وحدة وطنية"، لتجاوز الانزلاق نحو "إفلاس الدولة"، الذي بدأت تلوح به كل المؤشرات الاقتصادية، وهو الوضع الذي وصفه الرئيس التونسي بأنه "كارثي" و"لا يمكن أن يستمر".
تَدَخُّل الرئيس، الذي وضع كل ثقله السياسي والرمزي في الميزان، برغم احتجاج البعض على ما قيل إنه "تجاوز لصلاحياته الدستورية"، نجم عنه حصول إجماع كبير على تشكيل حكومة "وحدة وطنية"، فرض قائد السبسي الوزير السابق للشؤون المحلية في حكومة الصيد، يوسف الشاهد لرئاستها (40 سنة، أصغر رئيس حكومة في تاريخ تونس).
تعيين الشاهد، وهو من قيادات "نداء تونس"، أراده مؤسس الحزب الباجي قائد السبسي، مدخلا مهما لتجديد الطبقة السياسية، فضلا عن بعث روح جديدة في الحزب الحاكم، قد تمكنه من تجاوز أزماته المزمنة، من خلال التوحد حول رئيس الحكومة، والتمهيد ليكون رئيسا للأغلبية البرلمانية، من خلال تمكينه من رئاسة الحزب.
لكن الصراعات داخل الحزب تسير نحو تعطيل هذا الخيار، ولعل هذا ما جعل الرئيس قائد السبسي يبدو متحمسا لتشكيل "جبهة سياسية"، مثلما أكدت لـ"العربية.نت" الشخصيات السياسية التي التقت معه مؤخراً والتي أكدت أن الرئيس "قلق لغياب التوازن الحزبي داخل الحياة السياسية"، كما نقلت عنه أن "حكومة الشاهد لا يمكن أن تنجح بدون مساندة حزبية قوية"، وإلا فإن مصيرها سيكون مصير الحكومة التي سبقتها.
وإن كانت الأخبار والمعطيات شحيحة حول مبادرة تشكيل "جبهة سياسية"، إلا أنه من المتوقع أن تضم الأحزاب والشخصيات من داخل "العائلة الديمقراطية"، لكن ما زال يكتنفها الغموض. ورغم وجود مساندة وتحمس لها من داخل "قصر قرطاج"، إلا أنها في المقابل تبدو كما لو أنها حبل النجاة الوحيد لإعادة التوازن الحزبي ولتوفير سند حزبي واضح وصريح للحكومة، فضلا عن حماية "النمط المجتمعي" العصري التونسي.
من جهة أخرى، نشير إلى أن الواقفين وراء هذه "الجبهة السياسية" يؤكدون أن العمل على إعادة التوازن للمشهد السياسي والحزبي لا يعني "إحياء الاستقطاب" مع التيار الإسلامي، ويشددون على ضرورة الاستمرار في دعم "التعايش" و"التوافق السياسي" الحالي، بين التيارين "الديمقراطي/العلماني" و"الإسلامي"، في مسعى منهم للتأكيد على أن بناء جبهة ديمقراطية لا تستهدف التخطيط لإقصاء الإسلاميين أو استئصالهم مثلما حصل في السابق، وهو ما يتخوف منه أنصار التيار الإسلامي، ويجعلهم يتعاطون "بريبة" مع كل مبادرة لجمع "القوي العلمانية"، إذ يعتبرونها أنها تستهدفهم في المقام الأول.
في ذات السياق، أكد الأمين العام لحركة "مشروع تونس"، محسن مرزوق، في تعليقه على أزمة "نداء تونس"، أن شكل نداء تونس القديم انتهى والمشروع متواصل، قائلا: "مستعدون للحوار مع كافة القوى الوطنية وزملاؤنا الذين بدأوا معنا سنة 2012".
وأضاف مرزوق في حوار مع صحيفة "الصريح"، في عددها الصادر اليوم الأربعاء، أنه يقترح صيغا اندماجية ويريد العمل في إطار جبهة بين الأحزاب، يمكن تسميتها إما الجبهة الجمهورية أو جبهة الإصلاح، مبينا أن دورها سيكون تحقيق التوازن السياسي، خاصة تسطير طريق للخروج من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ومساندة الحكومة.