يملأ رواة القصص أسواق غرب إفريقيا بحكايات مشوقة عن التاريخ والتراث والبطولات التي ظل الاحتفاء بها قائما لقرون، كما تعلو أصواتهم وتنخفض وفق أحداث القصة التي يروونها لكنها تظل في جميع الحالات أعلى من أصوات الباعة الجائلين والتجار الباحثين عن صفقات.
فهناك من يرخون السمع ويتجاهلون صخب السوق وينتبهون لأدق تفاصيل القصة ولحركات وهمسات الراوي لعلهم يرصدون نبض الحكاية ويعيشون أوجها كما يرويها "حاكي الأسواق".
كما تتنوع مواضيع القصص التي يختارها الرواة بعناية لجذب جمهور السوق للاستماع إليها، ما بين قصص البطال وتضحيات الأجداد وحكايات العشق وأسرار المعارك وخطط الزعماء وحنكتهم وحكمتهم، حتى قصص المهمشين التي تعتمد على الوجع والأحاسيس المتصارعة حاضرة في هذه الحكايات.
القصة ومهارة الراوي
لا تخلو كل قصة من معاناة وأمل ونكتة وموعظة وإشادة ونقد وأغنية وشعر، أغلبها يبدو كقوس قزح لا يمل المستمع منه لجماله وتنوعه وبساطة أسلوب الراوي وعمق القصة ومدلول الرسالة داخلها.
وحين يبدع الراوي ويتألق في استثمار حسه وألقه التشويقي ينجحُ في تحريك مشاعر وأحاسيس الجمهور المتحلق حوله والذي يبدو كأنه أمام فيلم إثارة وتشويق يستحق المشاهدة والتأمل، فيلم لا يترك للمشاهد فرصةً للتفكير بشيء آخر غير تفاصيل القصص الصغيرة التي تتشكل داخل الحكاية الكبرى.
إلى أن يصل الراوي إلى هامة السحر حين يتجاوز قصة البطل الخارق إلى عمق الحكاية الحبلى بالألغاز والأحداث المشوقة والسيناريوهات المتصاعدة والتي يحضر فيها التاريخ والتراث وبنية المجتمع وحكاياته وأساطيره.
الخيال القصصي
ويعتبر سرد الحكايات بالأسواق في بعض دول غرب إفريقيا تخصصا رجاليا بامتياز يمارسه قلة من العارفين بحكايات وتاريخ مناطقهم وشعوبها، أحيانا بالأسواق الأسبوعية وأحيانا أخرى بجوار بعض الأضرحة الدينية وقرب التجمعات، ويتلقون نظير عملهم مبالغ مالية زهيدة يجمعونها من الحاضرين الذين يقدمون قطعا نقدية تتفاوت قيمتها حسب إمكانياتهم وأيضا حسب درجة استمتاعهم بالحكايات.
كما يقول أحد عشاق حلقات السرد، إنها قصص مشوقة تحرك الإحساس وتدعوك للانتباه للتفاصيل وتفهم ما حصل بالماضي وكيف عانى وتحمل السابقون كل ما حدث.
وتابع لـ"العربية.نت"، أن بعض الحكايات حين ينتهي الراوي من سردها تظل في البال لا تخفت أبدا، بل إن صخبها يبقى أكثر مما تبقى تفاصيل فيلم شهير أو ذكرى مسلسل مهم.
كذلك يتحلق حول الراوي العشرات من رواد السوق ليصبحوا جمهوره ولو لدقائق قد تطول أو تقصر حسب الزمن الذي يتطلبه سرد الحكاية، ولعل أهم ما يثير الانتباه هو حجم الجمهور من الشباب والفتية الذين تثيرهم مهارات فن الحكي وتُلهيهم عن صخب السوق وإغراء مواقع التواصل الاجتماعي على هواتفهم.
حتى السياح
يذكر أنه وحتى السياح حين يزورون مدن غرب إفريقيا لا يترددون في زيارة أسواقها والاستمتاع بفترة سرد القصص.
ورغم أنهم لا يفهمون لغة الراوي إلا أن هناك مغريات أخرى تجذبهم وتدفعهم للاستمتاع بسرد القصة، تتعلق أساسا بالموروث التراثي والممارسات الاجتماعية وأسلوب العيش.