الجزائر ومالي.. تفاصيل أزمة خلافات متراكمة فجرتها طائرة مسيرة

اللا استقرار الأمني والسياسي في الساحل الإفريقي يخرج إلى العلن

المصدر: العربية.نت - سكينة إبراهيم وأصيل منصور
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

تشهد العلاقات بين الجزائر ومالي أزمة سياسية وصفها مراقبون بـ"غير المسبوقة"، بعد إسقاط الجزائر طائرة مسيرة مالية، تباينت المواقف والتصريحات حول سبب ومكان إسقاطها، هل هو داخل حدود مالي أم أن الطائرة بالفعل اخترقت حدود الجزائر؟

فالإجراءات التي اتخذها البلدان الجاران بعد الحادث تؤكد عمق الأزمة، وتشعبها، بل يرى متابعون للشأن الأفريقي أنها ناتجة عن خلفيات من التوتر والخلاف حول العديد من القضايا المشتركة، وكان إسقاط الطائرة بمثابة "القطرة التي أفاضت الكأس".

واتخذت الجزائر قرار إسقاط الطائرة من دون إعلام مالي ما يشير حسب مراقبين إلى "عدم وجود تنسيق أمني أو عسكري بين بلدين جارين" يخوضان حربا ضد الإرهاب في الساحل الأفريقي وفق مراقبين.

كما أن استدعاء السفراء وإغلاق الأجواء وإصدار بيانات "شديدة اللهجة" ثم لاحقا خروج المظاهرات في باماكو واصطفاف النيجر وبوركينافاسو بجانب مالي في هذا الخلاف وسحبهما سفيريهما لدى الجزائر، يدحض أي تبرير للأزمة بأنها عادية وناتجة عن حادث هامشي.

مبررات ونفي وصمت

ومنذ اندلاع الأزمة لم تنفك المظاهرات عن الخروج في مالي للتنديد بما يراه المتظاهرون "دعم الجزائر للإرهاب ضد مالي"، خاصة بعد التقارير المالية التي قالت إن مكان سقوط الطائرة كان قرب بلدة "تيزاوتين" المالية البعيدة بنحو 9 كيلومترات عن الحدود الجزائرية، فيما أعلنت الجزائر أن الطائرة المسيرة دخلت مجالها الجوي بمسافة تزيد عن كيلومترين.

كما دانت غالبية الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني إسقاط الطائرة واعتبرته "عدوانا"، حتى السياسيون الماليون الذين لا يدعمون النظام العسكري الحالي، أبدوا دفاعهم عن مصالح الوطن ودعهم للجيش المالي.

ويرى مراقبون أن السلطات الانتقالية في مالي التي وجهت انتقادات "لاذعة" لجارتها الجزائر، متهمة إياها بـ "العدوان والعداء والتدخل ودعم الإرهاب"، "تستغل هذه الأزمة لتعزيز موقفها وخدمة مصالح العملية الانتقالية، من خلال استغلال الهبة الشعبية دفاعا عن المصلحة والوحدة الوطنيتين".

في هذا الصدد يقول الباحث المالي عيسى نداو إن اختلاف الماليين حول طريقة تسيير النظام الحاكم للفترة الانتقالية لن يمنعهم من إبداء مساندتهم ودعمهم لأي إجراء يحمي الوطن ومصالحه خاصة أن الأمر يتعلق بالسيادة الوطنية، لكنه يؤكد أن "النظام يدفع بالأمور نحو منحى تصعيدي عبر تشجيع المظاهرات ورفع الملف إلى مجلس الأمن".

ويقول في حديثه لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت": "النظام الحاكم شأنه شأن جميع الأنظمة العسكرية التي تعاني من مشاكل وأزمات داخلية بالتالي فهي تحاول توجيه اهتمام الرأي العام لقضية معينة حتى لا يتم انتقاده ومهاجمة سياسته في ملفات أخرى لم يستطع تحقيق إنجازات سبق أن وعد بها...".

ويرى أن الطرف الثاني في هذه الأزمة "يساعد أيضا على تصعيدها من خلال عدم الرد على طلب مالي توضيح ما حدث"، ويضيف: "كان يمكن للجزائر أن تقطع الطريق على أي طرف أو جهة تريد تصعيد الموقف من خلال التنسيق مع السلطات المالية قبل إسقاط الطائرة وحتى بعد إسقاطها... إن إهمال قنوات الاتصال وتراكم الخلافات جعل الأزمة تتخذ بعدا آخر".

ويؤكد المراقبون أن كل ما يجري "يصب في مصلحة السلطات الانتقالية، التي كانت تبحث دوما عن مبرر لبقائها في السلطة وأيضا لفشلها في الحرب على الإرهاب"، بالتالي فهي اليوم تجد في هذه الأزمة "دافعا لها ومبررا لفشلها في حل المشاكل التي تتخبط فيها مالي منذ سنوات".

وبالمقابل ورغم حدة الاستقطاب تعالت في مالي أصوات داعمة للتوازن والتعقل في حل الأزمة ورافضة للتصعيد ولاستغلال الوحدة الوطنية من أجل البقاء في السلطة، معتبرة أن "تغذية مشاعر عدائية تجاه الجزائر لن يخدم البلدين اللذين يربطهما التاريخ والمصالح الاقتصادية والحدود البرية التي يصل طولها 1359 كلم".

هل تنجح الوساطات؟

ويشدد المراقبون على الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا في تهدئة الوضع وإيجاد حلول ترضي الطرفين باعتبارها شريكة لمالي في الحرب على الإرهاب بالساحل كما أنها "تتمتع بعلاقات قوية مع الجزائر".

إضافة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه موريتانيا الجار لكلا البلدين، في حل الخلاف وتقريب وجهات النظر، وهو ما بدأت موريتانيا فعلا حسب مصادر مطلعة تحدثت لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت".

صراعات جيوسياسية

من جانبه صرّح الخبير الجزائري في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، الدكتور عمار سيغة، بأنّ "التشنج في العلاقات بين الجزائر ومالي إثر حادثة إسقاط الطائرة المسيرة" وراءه اللا استقرار الأمني في دول الساحل، وتحول المنطقة إلى ساحة للصراعات الجيوسياسية.

وقال الأستاذ في العلوم والعلاقات السياسية بـ"جامعة البويرة" (106 كيلومتر جنوب شرقي العاصمة الجزائر)، لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت"، إنَّ "الوضع بين الجزائر ومالي لا يبعث على الارتياح، خاصة وأن هناك تشنجا في العلاقات البينية، وكذلك بحكم ما تعيشه دولة مالي من عدم استقرار وسلسلة الانقلابات التي وضعت المنطقة برمتها على المحك، فيما يتعلق بتراجع مستويات الأمن الإقليمي".

وأضاف سيغة أنَّ "المعطى الأهم هو البصمة التي تركتها القوات والقواعد العسكرية الفرنسية ووجودها في مالي والساحل الأفريقي، وما خلفه من توتر متزايد ودعم لقوى إقليمية ودولية للعمليات الانقلابية في مالي خصوصا"، مما أثار "حفيظة الجزائر في كثير من المرات، والتي حاولت مرافقة ودعم الانتقال السياسي في مالي والمساهمة في الاستقرار والاستتباب الأمني في مالي على الخصوص".

غير أنَّ الجزائر، حسب المتحدث، "لم تسلم هي الأخرى من تداعيات وتراجع الأمن والاستقرار في مالي والساحل الأفريقي، منها الحادثة الخطيرة التي وقعت في دولة مالي وهي تصفية دبلوماسي جزائري على يد جماعات متطرفة اتخذت لها خريطة توسع وتموضع، خاصَّة بعد الأحداث التي شهدتها المنطقة الأفرو-عربية بعد فوضى السلاح في ليبيا سنة 2011، وانتشار واسع وانتقال مستويات التسلح والعمل المتطرف من منطقة الشرق الأوسط عبر ظهور جماعات جديدة على غرار تنظيم "داعش" الذي اتخذ من الساحل الأفريقي بديلا استراتيجيا للعمليات الإجرامية".

تلك الأحداث كلها، وفق سيغة، "دفعت الجزائر إلى الدفاع عن قانون تجريم دفع الفدية، الذي تبنته منظمة الأمم المتحدة، حيث كانت الجزائر من الدول التي ساهمت في بلورة هذا القانون، خاصَّة أنه يتعلق بالدعم اللوجيستي للجماعات المتطرفة في بيئة لا أمنية تعيشها مالي والساحل الأفريقي".

وأضاف أستاذ العلوم السياسية بأنه من "جملة التطورات التي أزمت الوضع، انسحاب القوى الفرنسية وإعادة تموضع قوى أخرى فاعلة في المنطقة من تركيا وروسيا ودول أخرى لها مصالح ممتدة في العمق الأفريقي تحاول إعادة التموقع في الفضاء الجيو-اقتصادي بالنسبة للثروات الطبيعية والمقدرات الاقتصادية لدول المنطقة خاصة أنها تزخر بالعديد من المعادن النادرة من بينها اليورانيوم والفوسفات والنحاس والذهب".

غير أنَّ المحطة التي غيرت مسار العلاقات الجزائرية المالية، حسب سيغة، هي "إلغاء العمل بميثاق السلم والمصالحة الذي تم إمضاؤه في الجزائر، ليكون وثيقة مصالحة بين قبائل الطوارق والأزواد والحكومة المالية، ما اعتبر من أهم التطورات الخطيرة، والتي تلاها اختراق المجال الجوي الجزائري من طرف طائرة مسيرة مالية وتدخل الجيش".

كرونولوجيا

وكانت الجزائر قد أعلنت في 31 مارس الماضي عن إسقاطها لطائرة بدون طيار دخلت مجالها الجوي بمسافة تزيد عن كيلومترين، لكن مالي قالت إن البيانات الدقيقة لمسار الطائرة، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الطائرة لم تغادر المجال الجوي لجمهورية مالي، وأن نقطة انقطاع الاتصال بالطائرة وموقع الحطام يقعان على بعد 9.5 كيلومتر من خط الحدود.

ثم إعلنت مالي عن سلسلة من القرارات التصعيدية احتجاجا على إسقاط الطائرة، وانضمت النيجر وبوركينا فاسو حليفتا مالي إليها في قراراتها باستدعاء سفرائها لدى الجزائر.

ويتولى الحكم في مالي العقيد اسيمي اغويتا الذي قاد انقلابين عامي 2020 على حكم إبراهيم كيتا و2021 على السلطة الانتقالية التي تولت الحكم بعد كيتا.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط