يعتبر المخرج التايواني هو هيساو هيسين واحدا من أهم صناع السينما الصينية، لما يمتاز به من مقدرة على تحويل أصغر الحكاية إلى فعل سينمائي ثري بالمضامين والقيم الكبرى، وقد حقق السعفة الذهبية عام 1989 عن فيلمه "مدينة الحزن"، ويمتلك مسيرة عامرة بالإنجازات السينمائية التي رسخت اسمه وحضوره وبصمته.
ويعود هيسين من جديد بفيلمه "القاتلة" منذ فيلمه الأخير "رحلة البالون الأحمر"، الذي قدمه عام 2007، ومنذ ذلك الحين وهو يشتغل على فيلمه "القاتلة" الذي تعطل كثيرا من أجل تأمين الظروف الإنتاجية نظرا لضخامة الإنتاج.
وذهب هيسين إلى عمق التاريخ الصيني، حيث سلالات الإمبراطوريات والملك وحكاية ثأر قديم تسعى إليه إحدى السلالات المقاتلة ضد أحد الملوك، ويتم إعداد قاتلة لهذه المهمة بعد سنوات من التدريب والارتفاع بالمقدرة القتالية وصولا إلى اللحظة التي تصدر بها الأمور للذهاب إلى المهمة مع الإشارة إلى الظروف التي تمر بها الإمبراطورية من تغيرات ومشاكل بين الممالك.
تجري الأحداث في القرن التاسع الميلادي حينما يتم تكليف ابنة الجنرال وتدعى نب ينينج، بالقيام بمهمة اغتيال وتصفية حاكم ويبو، وتمضي في رحلتها وهي تقتل كل من يعترض طريقها حتى اللحظة التي تصل بها إلى سرير الحاكم لتجده جالسا يحتضن طفلة الوليد، عندها تقرر الانسحاب دون تكملة المهمة رغم محاولة الإمبراطور مطاردتها.
وعند عودتها تتفجر المواجهات حول أسباب عدم تنفيذها المهمة التي تدربت من أجلها سنوات طويلة، وتبدأ الحكايات والمواجهات بينها وبين مدربتها التي دربتها وجعلتها خلية نابضة بالتحدي والكراهية للإمبراطور، لكنها تظل تصر على أن السبب المباشر وراء عدم التكملة بأنها لا تريد أن تقتل عدوها وهو يعيش لحظة ميلاد طفلة، وأن للقتل أيضا ضوابطه وقواعده، وهي ليست مجرد قاتلة، بل إنسانة لها أحاسيسها ومشاعرها التي تجعلها ترفض الأوامر الخارجة عن التقاليد.
تتداخل وتتقاطع الحكايات داخل الفيلم كثيرا، بالذات فيما يخص رفض المعلمة وأيضا ابتكار شخصية أخرى تحاول مواجهة القاتلة لتأتي المواجهات عبر أطر فلسفية ومشاهد قتالية عالية الجودة. ولا تذهب إلى المغامرة من أجل المغامرة، ولكن لتقول لنا إن هذه المقاتلة الشرسة تمتلك قلبا يتعاطف، وقلبا يحب بالذات حينما تلتقي بأحد الشباب خلال مشوارها الذي لم يكتمل.
فيلم "القاتلة" ليس مجرد فيلم تشاهده وتنساه، بل هو فيلم تشاهده ليظل في الذاكرة كما البصمة والوشم في الذاكرة، وتقدم السينما الصينية والتايوانية على وجه الخصوص.
وفي الفيلم أيضا أداء عالي المستوى للنجمة شو كي بدور القاتلة وشانج شين بدور محافظ ويبو، وفي الفيلم يذهلنا الموسيقار الصيني ليم جيونج بحلوله الموسيقية المذهلة التي تستدعي عددا من الموسيقات، وهكذا هو الأمر مع مدير التصوير الصيني مارك لي بينج بينج الذي عمل في النسبة الأكبر من أعمال المخرج هو هيساو هيسين.
ونخلص: فيلم "القاتلة" يذهب بنا من المغامرة إلى لحظة العقل والحب حيث الموقف.