التنظير والتعبئة والفتاوى والأدبيات والتحشيد الذي يسبق قيام تنظيم ثوري ما، أخطر مما يفعله التنظيم نفسه من عمليات عسكرية أو ميدانية.
أخطر لأنه يبقى.. فالإنسان المكوَّن من لحم ودم عرضة للفناء إما بالإعدام أو الموت الطبيعي، لكن الفكر والكلمات والكتب والنصوص والتسجيلات التي تسوغ للتنظيم وتقدم له الذرائع والمسوغات الدينية والنفسية والسياسية، تبقى ولا تفنى، مخترقة بذلك حجاب الزمن.
هكذا حدث مع الكاتب المصري سيد قطب، الرمز الثاني لجماعة الإخوان المسلمين، بل لكل الجماعات الدينية السياسية المتلبسة بالدين.
في حلقة جديدة من "مرايا"، يؤكد الزميل مشاري الذايدي على أننا أمام شخصية سيد قطب، أمام منظِّر ومنفذ للتفجير والتكفير في عصرنا الحالي، عصر وجود الفلسفات الحديثة ومفهوم الدولة الوطنية والعلاقات الدولية التي تنتظم ضمن قانون عالمي ينظم علاقات البشر، ولسنا أمام تكفير أو قتال في عصور ما قبل قيام الدولة الوطنية الحديثة.
سيد قطب، وعن وعي تام برفض قيم العصر الحديث، كفَّر المجتمعات، وقد اعترف عقلاء الجماعة بهذا الأمر، وإن كان بلغة خجولة، ومنهم القيادي التاريخي للجماعة المرحوم الدكتور فريد عبدالخالق.
لم يكفِّر وحسب، بل قاد فعلياً تنظيماً إرهابياً خطيراً، كان يريد التفجير والقتل بالجملة، كان يريد نسف القاهرة وأهلها، وهرَّب المتفجرات والسلاح من السودان، وهي القضية الشهيرة بتنظيم 1965. وكان سيد قطب هو القائد السياسي والمنظر الفكري، بل حتى حاول أن يكون القائد العسكري لهم، لولا تواضع قدراته في هذا الجانب.
أعضاء "تنظيم 65" اعترفوا بهذا التنظيم، ولاحقاً أقرّ كثير من كبار الجماعة بهذا الأمر، وظلت المكابرة والإنكار واتهام أجهزة الأمن بتلفيق الأمر أسطورة يلوكها صغار تلاميذ الجماعة حتى يومنا هذا، بحيث لو خرج سيد قطب من قبره واعترف فخورا بهذا الأمر، لظل هناك من مريدي الجماعة وقطب من ينكر وجود "تنظيم 65".
مشكلة بعض مريدي الإخوان وما تفرع عنهم، هو أنهم لم يقرأوا حتى تاريخ الجماعة التي يدافعون عنها.
فلنتذكر هذا الأمر لأن آثار هذا التنظيم، خاصة التنظيرات القطبية والخبرات السرية، ظلت مؤثرة حتى يومنا الحالي، بل وحتى بعد محاكمة التنظيم بسنوات يسيرة.